الميثاق نت -

الإثنين, 02-نوفمبر-2026
حسن احمديان -
قلت مرارًا وتكرارًا إنني لا أعتقد أن نظام الحكم السعودي، بشكله الحالي، سيصمد إلى ما بعد عام 2032م.. ولم يكن هذا التقدير مبنيًا على الحرب مع إيران أو اليمن، بل على مسألة أكثر جوهرية، وهي تراجع أهمية النفط وعجز النظام الملكي السعودي عن الاستمرار دون الإيرادات الهائلة التي وفرها النفط طوال العقود الماضية.
‏وقد طرحت هذه الحجة سابقًا، مستشهدًا بأمثلة تاريخية مثل سقوط الشاه في إيران، وانهيار النظام الملكي في مصر، ومصير أنظمة ملكية أخرى عجزت عن التكيف مع التحولات الاقتصادية والسياسية.
‏السعودية ربما تكون آخر دولة كبرى في العالم لا تزال تحكمها ملكية تعمل، من نواحٍٍ عدة، وفق بنية سياسية تعود إلى العصور الوسطى.. ولا أقصد بذلك مجرد كونها ملكية مطلقة، بل إن ما يميز النظام السعودي هو أنه لا يزال يعتمد بصورة كبيرة على الأركان الثلاثة نفسها التي قامت عليها الأنظمة الملكية قبل قرون، وهي الأسرة الحاكمة، والمؤسسة الدينية، وطبقة التجار الأثرياء.
‏وعلى خلاف الأنظمة الملكية في دول مثل الأردن والمغرب، حيث تُنظَّم السلطة بصورة مختلفة، اعتمدت السعودية تاريخيًا على الحفاظ على توازن دقيق بين هذه الأركان الثلاثة. فالأسرة الحاكمة لا تحكم بالسلطة وحدها، بل تحكم أيضًا بشراء الولاءات، وتوزيع الثروة، ومكافأة النخب الدينية والسياسية والقبلية والتجارية ماليًا، وهي النخب التي يسمح تعاونها باستمرار النظام الملكي، وهذا يتطلب أموالاً طائلة للغاية.
‏وهنا تحديدًا يأتي دور النفط، فقد سمحت الإيرادات النفطية لآل سعود بالحفاظ على هذه المعادلة لعقود طويلة، من خلال رشوة الأركان المختلفة التي يقوم عليها نظام الحكم لضمان استمرار دعمها للملكية.
‏ولكن مع التراجع التدريجي في الأهمية الاقتصادية للنفط، ومع تعرض أسعاره لضغوط متزايدة، يصبح الحفاظ على هذه المعادلة أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
‏محمد بن سلمان أدرك هذه المشكلة، بل إن جزءًا كبيرًا مما فعله منذ وصوله إلى السلطة يمكن فهمه باعتباره محاولة لتحويل السعودية من ملكية تقليدية تعتمد على ذلك المثلث القروسطي القائم بين السلطة الدينية، والسلطة الملكية، وثروة التجار، إلى نظام ديكتاتوري مركزي تتركز فيه السلطة بصورة شبه كاملة في يديه.
‏وقد حقق بالفعل تقدمًا كبيرًا في هذا الاتجاه، ولا سيما خلال السنوات الأولى من حكمه، لكنه لم ينجح بصورة كاملة، فقد أضعف النظام القديم، لكنه لم يتمكن من استبداله بالكامل.
‏ثم جاءت الحرب مع اليمن وإيران، وهنا تحديدًا أصبحت الأمور أكثر خطورة على السعوديين.
‏فهذه الحروب لا تسرّع فقط عملية كانت جارية أصلاً، بل تضرب بصورة مباشرة الأسس التي قامت عليها الدولة السعودية نفسها، وليس النظام الملكي وحده.
‏الإيرادات النفطية التي تموّل المنظومة السياسية بأكملها أصبحت مهددة. والمطارات والبنية التحتية الحيوية تتعرض للتعطيل. وقدرة الجيش السعودي على الدفاع عن البلاد وردع أعدائها أصبحت موضع تحدًّ. وحتى شرعية النظام الملكي القائمة على تقديم نفسه باعتباره حامي الحرمين الشريفين أصبحت تتعرض للتقويض.
‏وهذه ليست مشكلات بسيطة، بل ضربات تستهدف الأسس التي يقوم عليها نظام الحكم السعودي.
‏فهل يعني ذلك أن النظام الملكي سينهار غدًا؟، بالطبع لا، فنظام راكم هذا القدر الهائل من الثروة والسلطة والنفوذ يستطيع تحمل ضغوط هائلة لفترة ليست بالقصيرة، وقد يتمكن من الصمود عامًا آخر، أو عامين، وربما حتى ثلاثة أعوام في ظل الظروف الحالية.
‏لكن السؤال هو كيف ستبدو السعودية بعد انقضاء تلك السنوات، وهل ستظل الملكية تمتلك الموارد المالية والسياسية اللازمة للإبقاء على النظام متماسكًا؟
‏كان تقديري الأصلي أن نظام الحكم السعودي سينهار في حدود عامي 2029 أو 2030م، وأنه بالتأكيد لن يصمد إلى ما بعد عام 2032م بشكله الحالي.. وقد توصلت إلى هذا التقدير قبل الحروب الحالية، وقبل الضغوط الإضافية التي تتعرض لها اليوم البنية التحتية والاقتصاد السعودي.
‏وما فعلته هذه الحروب هو تسريع تلك العملية.
‏وبالطبع، لا يعلم الغيب على وجه اليقين المطلق إلا الله. لكن كل ما شاهدته، بدءًا من الأسس الاقتصادية التي تقوم عليها الدولة السعودية، مرورًا بالتحول السياسي الذي حاول محمد بن سلمان فرضه، ووصولاً إلى الضغوط العسكرية التي تواجهها البلاد اليوم، لا يزال يعزز هذه النتيجة.
‏قد تبدو سنتان أو ثلاث سنوات فترة طويلة عندما نتحدث عن أزمة سياسية، ولكن عندما نتحدث عن انهيار نظام حكم استمر قرابة قرن من الزمن، فإن سنتين أو ثلاث سنوات لا تمثل شيئًا تقريبًا في السياق التاريخي.
‏وهذه هي النقطة التي أريد توضيحها تحديدًا. فالملكية السعودية لا تواجه أزمة سياسية أو عسكرية عادية، بل تواجه احتمال انهيار المنظومة بأكملها التي سمحت لآل سعود بحكم البلاد طوال أجيال.
تمت طباعة الخبر في: الإثنين, 02-نوفمبر-2026 الساعة: 01:04 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69625.htm