د. ناصر الدحياني - الإدارة بالكذب هي عكس الإدارة بالحب التي تعتبر فلسفة إدارية تقوم على قيادة الأفراد بالمحبة والاحترام، والثقة، والتقدير في المؤسسات؛ والسعي على تحفيزهم بروح إنسانية تحقق التوازن بين أهداف المؤسسة وأهداف العاملين، وبما يعزز الإنتماء والولاء والإبداع، والكفاءة، الفاعلية، والإنتاجية.
وإذا كانت الإدارة بالحب تبني الثقة وتصنع الولاء، فإن الإدارة بالكذب تهدم المؤسسات من الداخل، مهما أجاد القائمون عليها فن المراوغة وتزييف الحقائق وإطلاق الوعود الكاذبة..
لأن الإدارة بالكذب تعتمد وتراهن على الفهلوة بدلاً من الكفاءة، وعلى تلميع نقاط الضعف، والإخفاقات بدلاً من معالجتها، وتعتمد على خداع الآخرين بدلاً من كسب ثقتهم، والأخطر من ذلك أن الإدارة بالكذب عندما تصبح نهجاً إدارياً في المؤسسة، هنا تتراجع الشفافية، وتغيب المساءلة، ويصبح إخفاء الأخطاء أهم من تصحيحها، ويصبح إرضاء أصحاب المصالح والقيادة أهم من قول الحقيقة..
صحيح قد تنجح هذه الإدارة في بعض المؤسسات في خداع الآخرين، والمستفيدين لبعض الوقت، لكنها مع مرور الوقت تفقد تدريجيا ثقة العاملين، والمستفيدين، وتستنزف رصيدها الأخلاقي وتزرع بذور فشلها بيديها، وقد كشفت تجارب مؤسسات كبرى في بعض البلدان كيف يمكن للكذب والتلاعب بالمعلومات والممارسات الاحتيالية أن يقودا هذه المؤسسات إلى الانهيار، مهما بدت المؤسسة قوية في ظاهرها، ومهما بدأ رئيسها ومسؤولها مُتّْقّن لفن الإدارة بالخرط والكذب..!
ياقوم يجب أن تعلموا أن المؤسسات لا تسقط دائماً بسبب نقص الموارد المالية، والبشرية، والتكنولوجيا، بل قد تسقط حين تفقد قيمها وتتحول قياداتها من صانعة للحلول إلى جزء من المشكلة.
ويجب أن تعلمون أيضاً إن الإدارة التي تبدأ بالكذب، وتستمر في تبريره وتبني نجاحها على الأوهام قد تحقق حضوراٌ مبهراً مؤقتاً.. لكنها تضع مستقبل المؤسسة وثقة الناس والعملاء بها على طريق الفشل والانهيار..
أما المؤسسات التي تتخذ الصدق والنزاهة، والشفافية منهجاً لها فإنها تمتلك مقومات الصمود والاستمرار والتوسع والانتشار ، والتجدد.. فالمناصب تزول، والأقنعة تسقط.. ولا يبقى في ذاكرة التاريخ إلا ما بُني على القيم، لأن الكذب حبله قصير، وقد يصنع نجاحاً مؤقتاً كما ذكرت سابقاً، لكنه مستحيل أن يصنع مجداً مستداماً.
اتمنى أن تصل فكرتي هذه إلى بعض من يديرون بعض المؤسسات بالكذب، والفهلوة.
|