الميثاق نت -

الأحد, 27-سبتمبر-2026
عبدالسلام الدباء* -
بينما كنت أمرّ بشارع علي عبدالمغني، في قلب ميدان التحرير بالعاصمة اليمنية صنعاء، لفت نظري من جديد، وكما يحدث في كل مرة أعبر فيها هذا المكان منذ أكثر من ثلاثة عشر عاماً، ذلك الفراغ الذي تركه غياب النصب التذكاري لـ «مارد الثورة» والذي غاب عن منصته التي كان ينتصب عليها شامخاً.
توقفت عند ذلك المشهد للحظات، وكأن المكان نفسه كان يطرح عليّ السؤال الذي ظل يتكرر في داخلي طوال هذه السنوات.. أين ذهب مارد الثورة؟ وأين أختفى ذلك الرمز الوطني الذي ارتبط بذاكرة ثورة 26 سبتمبر الخالدة؟
ولأننا نعيش هذه الأيام أجواء الاحتفال بالعيد الرابع والستين لقيام الثورة اليمنية في 26 سبتمبر 1962م، فإن استحضار هذا الرمز والسؤال عن مصيره لا يبدو مجرد استعادة لذكرى قديمة، بل هو سؤال يتصل بذاكرة وطن، وبحق الأجيال الجديدة في معرفة رموز تاريخها وما حلّ بها.
ومن هنا جاءتني فكرة كتابة هذه الرسالة... رسالة لا أريدها مجرد كلمات عابرة، وإنما محاولة لاستحضار «مارد الثورة» من غيابه، واستدعاء الحكاية التي كان يجسدها، والبحث عن إجابة للسؤال الذي طال انتظاره..

يا مارد الثورة.. أين أنت؟
يا ذلك الشاهد الصامت الذي كان ينتصب شامخاً في وسط شارع الشهيد/ علي عبدالمغني، بميدان التحرير بالعاصمة صنعاء، حاملاً في هيئته حكاية وطنٍ ثار، وشعبٍ أراد أن يفتح لنفسه طريقاً نحو الحرية والعدالة والمساواة..
لم تكن أيها المارد مجرد دبابة من حديد، ولا مجرد نصب تذكاري عابر في أحد ميادين عاصمة اليمن صنعاء؛ لقد كنتَ ذاكرةً مجسّدة للحظة تاريخية ارتبطت بانطلاقة ثورة 26 سبتمبر، وللدبابة التي خلدها هذا النصب باعتبارها أول دبابة أطلقت أول قذيفة من الثورة في ذلك اليوم المفصلي من عام 1962م، وكنت تذكار اًللرجال الذين حملوا أرواحهم على أكفهم، ومضوا إلى الميدان دفاعاً عن حلم اليمنيين في الخلاص من الظلم والاستبداد..
لقد كنتَ تحمل اسم «مارد الثورة»، وكأن الاسم وحده يختصر حكاية جيلٍ آمن بأن اليمن يستحق مستقبلاً مختلفاً، وأن الإنسان اليمني يستحق أن يعيش حراً، عزيزاً، متساوياً في العدالة والحرية والحقوق والواجبات والكرامة الإنسانية..
لقد كنت أيها المارد تذكّرنا كل يوم بعظمة تورة 26 سبتمبر الخالدة، وتذكّرنا بأبطال الثورة الأحرار ، وفي مقدمتهم ذلك الرجل الثائر الذي حلم بيوم جديد يشرق على اليمن ولو كان الثمن حياته، وذلك هو الشهيد البطل/ علي عبدالمغني، الذي مازال الشارع الذي كنت فيه يحمل اسمه، ليكون حاضراً في الذاكرة الوطنية؛ بعد أن ارتبط اسمه بقيادة الثورة وتنظيم صفوفها، وهو الذي جعل من إيمانه بوطنه وقضيته طريقاً إلى التضحية، قبل أن يرتقي شهيداً وهو في ريعان شبابه.
يا مارد الثورة.. لقد كان وجودك في ميدان التحرير بصنعاء رسالةً للأجيال اليمن الجديدة.. أن الحرية لم تأتِ هدية، وأن الجمهورية لم تكن مجرد كلمة تُقال، بل ثمناً دفعه رجال بأرواحهم، وأن وراء كل صفحة من صفحات تاريخ اليمن تضحياتٍ لا ينبغي أن تُنسى أبداً..
لكنّك الآن غير موجود، اختفى جسدك الحديدي، وبقي السؤال حاضراً.. أين ذهب «مارد الثورة»؟ ومن يعرف مكانه الآن؟ ولماذا لم يعد إلى المكان الذي خُصص له ليظل شاهداً على واحدة من أهم محطات التاريخ اليمني العظيم؟
إننا لا نبحث عن قطعة حديد، وإنما نبحث عن ذاكرة وطن.. نبحث عن شاهد يذكّر أبناء اليمن بأن ثمة رجالاً رحلوا كي يبقى الوطن، وأن الأوطان التي تنسى رموزها وتاريخها تفقد شيئاً من ذاكرتها ووجدانها..
وفي الذكرى الرابعة والستين لثورة 26 سبتمبر، يعود السؤال أكثر إلحاحاً: يا مارد الثورة... أين أنت الأن؟ نريدك أن تعود إلى مكان وان نراك مجدداً في عيد الثورة وأن نحكي لأبنائنا عنك وأن نلتقط لهم صوراً إلى جوارك مثلما كنا نفعل في الماضي عندما كنا صغاراً..
ربما أنك الآن تصمت، لكن ذاكرتك لا تصمت، وربما غاب جسدك عن ميدان التحرير، لكن قصتك ما زالت تسألنا جميعاً.. ماذا فعلنا بذاكرة الذين ضحوا من أجل تحرير اليمن؟
فليعد «مارد الثورة» إلى مكانه، أو ليُكشف لكل اليمنيين أين اختفى، وليكن العثور عليه وإعادته إلى الواجهة الوطنية وفاء منا جميعاً لرجال 26 سبتمبر، ورسالةً لكل الأجيال اليمنية بأن ذاكرة اليمن ليست شيئاً قابلاً للمحو أو الاختفاء، مهما طال الزمن..
يا مارد الثورة.. عد إلى ميدانك، فقد طال غيابك، وما زال الوطن يسأل عنك.
_____
* مستشار وزارة الشباب والرياضة
تمت طباعة الخبر في: الأحد, 27-سبتمبر-2026 الساعة: 01:35 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69488.htm