الميثاق نت -

الأحد, 19-يوليو-2026
عبدالسلام الدباء* -
هناك حقيقة لا يلتفت إليها كثيرون: أخطر السجون ليست تلك التي تُبنى من الحديد، بل تلك التي تُبنى من الخوف.. قد يخرج الإنسان من ضِيق الفقر إلى سعة المال، ومن الهامش إلى المنصب، ومن الضعف إلى القوة، لكنه يظل يحمل داخله السجين ذاته، يرتجف كلما تَغيَّر شكل القضبان..

أتذكَّـر في قريتنا الريفية، ذلك الفأر الصغير الذي كان يفر مذعوراً عند أول حركة في زوايا البيت، كنتُ أظن أن المشكلة تكمن في حجم القط، لا في حجم الخوف.. وعندما كبرتُ، اكتشفت أن العالم مليئ بفئران ترتدي أقنعة الأُسُود، وأن كثيراً من الضجيج الذي نسمعه ليس إلا محاولةً يائسةً لإخفاء ارتجافةٍ قديمةٍ تسكن أعماقهم..

تروي الأسطورة الهندية أن ساحراً أشفق على فأر بسبب خوفه من القطط، فحوَّله إلى قط، لكنه أصبح يخاف من الكلاب، فحوَّله الساحر إلى كلب، فبدأ يخاف من النمور، وهكذا حوَّله الساحر إلى نمر، وعندئذ امتلأَ قلبه بالخوف من الصيادين.. وهنا استسلم الساحر عند هذا الحد، وأعاده إلى صورته الأولى كفأر، وقال له: "لن يساعدك أي شيء أفعله لك، لأنك تمتلك قلب فأر؛ فإذا أردتَ أن تتغير فابدأ بقلبك أولاً"..

كم تشبه هذه الحكاية حياتنا.. نُغـيّر الوظائف، ونُبدّل الألقاب، ونشتري المنازل والسيارات، ونبحث عن الشهرة والنفوذ، ثم نستغرب لماذا لا يغادرنا القلق.. المشكلة لم تكن يوماً في الثياب التي نرتديها، بل في الروح التي نسكنها.. فالثقة لا تُشترى، والشجاعة لا تُمنح بقرار، والكرامة ليست وساماً يعلّقه الآخرون على صدورنا..

ولعل الفيلسوف اليوناني سقراط كان يختصر هذه الحقيقة حين قال: "اعرفْ نفسك"، فكل إصلاح يبدأ من الداخل قبل أن ينعكس على الخارج.. أما محاولة تجميل الهزيمة النفسية بالمظاهر، فهي أشبه بطلاء جدار متصدّع؛ يبدو جميلاً من بعيد، لكنه ينهار عند أول اختبار..

وليس الأمر مقتصراً على الأفراد.. فالأمم أيضاً قد تقع في الفخ ذاته.. قد تمتلك الجيوش، والثروات، وناطحات السحاب، لكنها إذا استسلمت للخوف، أو عاشت أسيرة الوهم، فإنها تتحول إلى عملاق يرتجف من ظله.. والأسوأ من ذلك أن بعض النخب تبيع الناس أوهام القوة، بينما تهمل بناء الإنسان نفسه.. إنها مسرحية رديئة يتبدل فيها الديكور باستمرار، لكن الممثلين يردّدون النص ذاته؛ والخوف هو البطل الحقيقي الذي لا يغادر الخشبة..

لقد أدركتُ مع مرور السنوات أن المعارك الكبرى لا تبدأ عند حدود الأوطان، بل عند حدود النفس.. هناك، في تلك الزاوية الخفية من القلب، تُحسَم الهزيمة أو يُولَد الانتصار.. ومَنْ ينتصر على خوفه، لن يحتاج إلى ساحر يغيّر شكله كل مرة، لأنه سيكون قد غيَّر ما هو أهم من الملامح.. غيَّر جوهره..

ربما لهذا السبب لا يزال السؤال القديم يطاردنا جميعاً: كم مرة سنبدّل أقنعتنا، قبل أن نمتلك أخيراً قلباً لا يخاف من الحياة؟..
لستَ اليوم بحاجة إلى ساحر إنْ أردتَ أن تتغير، ولكن فقط.. إذا أردتَ أن تتغير ابدأ بقلبك أولاً.



* مستشار وزارة الشباب والرياضة

تمت طباعة الخبر في: الأربعاء, 04-نوفمبر-2026 الساعة: 06:31 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69148.htm