الميثاق نت -

الأحد, 19-يوليو-2026
أحمد العشاري -
يُعد الحديث عن أُسُس ومُرتكَـزات الدولة اليمنية الحديثة استعراضاً لمرحلة محورية في تاريخ اليمن المعاصر، حيث سعى المؤتمر الشعبي العام، منذ تأسيسه في عام 1982م وخلال فترة حُكْم الرئيس الشهيد علي عبدالله صالح، إلى صياغة نموذج للدولة يجمع بين الهوية الوطنية والتحوُّل نحو المؤسساتية، مُرتكِـزاً على رؤية شاملة لبناء كيان وطني متماسك وقوي..

أولاً: التعدُّدية السياسية والديمقراطية
شكَّـلت التعددية السياسية حجر الزاوية في الرؤية التي تَبناها المؤتمر الشعبي العام، خاصةً بعد إعادة تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م.. تم إقرار دستور ديمقراطي يضمن الحريات العامة، وحقوق الإنسان، وتَداوُل السلطة عبْر صناديق الاقتراع، مع فتح المجال لتأسيس الأحزاب والتنظيمات السياسية، مما خلق حيويةً في العمل السياسي اليمني انعكست في الانتخابات النيابية والمحلية والرئاسية المتعاقبة..

ثانياً: ترسيخ الوحدة الوطنية
كانت الوحدة اليمنية المرتكَـز الأسمى والهدف الاستراتيجي، حيث عمل المؤتمر الشعبي العام على صهْر التناقضات المناطقية والقبلية في إطار الدولة المركزية الواحدة.. كما تم تبنّي نظام الحكم المحلي كآلية لتعزيز المشارَكة الشعبية في صُنْع القرار، وتقريب الدولة من المواطن..

ثالثاً: بناء المؤسسات العسكرية والأمنية
ركزت الرؤية التنموية في تلك المرحلة على بناء جيش وطني موحَّد ومؤسسات أمنية قادرة على حفظ السيادة، من خلال العمل على توحيد العقيدة العسكرية لجيش دولة الوحدة، واعتبار الاستقرار الأمني شرطاً أساسياً للتنمية والنهضة الوطنية..

رابعاً: التنمية والبنية التحتية
تَبـنَّى المؤتمر الشعبي العام فلسفة تنموية طموحة هدفت إلى إخراج اليمن من حالة العُزلة؛ حيث شهدت تلك الحقبة تَوسُّعاً كبيراً في إنشاء المدارس، الجامعات، المستشفيات، وشبكات الطرق التي ربطت المحافظات ببعضها البعض، مع السعي لتبنّي سياسات الانفتاح الاقتصادي وتشجيع الاستثمار..

خامساً: نهْج الوسطية والاعتدال
اتسمت سياسة الدولة في تلك الفترة بتبنّي خطاب يقوم على الاعتدال في السياسة الخارجية، وبناء علاقات متوازنة مع المحيط الإقليمي والدولي، واعتماد الحوار كوسيلة لحل النزاعات، إلى جانب تعزيز قِـيَم التسامح والسلم الاجتماعي والتمسُّك بالهوية العربية والإسلامية..

سادساً: "الميثاق الوطني" كوثيقة فكرية
مثَّل "الميثاق الوطني" المرجعية الفكرية والتوجيهية للدولة، حيث عبَّر عن حالةٍ من الإجماع الوطني حول أسس البناء، بعيداً عن الصراعات الأيديولوجية الحادة، مؤكداً على أن الديمقراطية والشورى والوحدة ركائز لا غِنى عنها للتقدُّم..

سابعاً: نظام السلطة المحلية.. ثورة الصلاحيات
مثَّل إقرار قانون السلطة المحلية رقم (4) لسنة 2000م، نقلة نوعية في إدارة الدولة، حيث انتقل اليمن من المركزية الشديدة إلى نظام "الحُكْم المحلي واسع الصلاحيات".. هدف هذا النظام إلى تمكين المجالس المحلية المنتخَبة في المحافظات والمديريات من إدارة شؤونها التنموية والإدارية، وتحويل المواطن من مُتَلَـقٍّ للخدمات إلى شريكٍ في الرقابة على الأداء المحلي وتحديد الأولويات التنموية، مما عزَّز ثقافة العمل المؤسسي في كافة أرجاء البلاد..

ثامناً: التجربة الديمقراطية والتعدُّدية
تَميَّزت التجربة الديمقراطية في تلك الحقبة بحيوية فريدة، تمثلت في:
التداول السلمي للسلطة: تكريس "صندوق الاقتراع" كمرجعية وحيدة للوصول إلى الحُكْم.
حيوية المجتمع المدني: طفرة في إنشاء النقابات والاتحادات المهنية والصحافة الحزبية والأهلية، مما خلق فضاءً عاماً للنقاش السياسي.
الحوار الوطني: اعتماد نهج الحوار كأداة أساسية لحل الأزمات، عبْر مؤتمرات ولقاءات تشاورية ضمت كافة الأطياف السياسية والاجتماعية.
لقد مثلت مرحلة بناء الدولة بقيادة الرئيس الشهيد علي عبدالله صالح، وبحسب أدبيات المؤتمر الشعبي العام، محاولةً جادةً للانتقال باليمن من حالة التشظّي والحروب إلى مرحلة الاستقرار المؤسسي والنهضة الشاملة.. لقد نجح المؤتمر الشعبي العام في ترسيخ قِـيَم التسامح والاعتدال، وأرسى دعائم صلبة لدولة قانون ديمقراطية وموحَّدة، جعلت من السيادة الوطنية والقرار المستقل خطاً أحمر لا يقبل التجاوز..
إن الإرث الذي خلَّفته تلك المرحلة، والمتمثّل في المكتسَبات الوطنية الكبرى كالجمهورية، والوحدة، والديمقراطية، والتعدُّدية السياسية، يظل حجر الزاوية الذي يستند إليه أي مشروع وطني يهدف إلى استعادة الدولة اليمنية الحديثة.. ورغم جسامة التحدّيات والمنعطَفات التاريخية الصعبة التي واجهت هذه التجربة، إلا أن المرتكَـزات التي وُضعت -بقيادة حكيمة كانت تضع مصلحة اليمن العليا فوق كل اعتبار- تظل هي الطريق الأمثل لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية التي يتطلع إليها كل يمني، وتؤكد أن الدولة الحديثة ليست مجرد هياكل مؤسسية، بل هي منظومة قِـيَم وهوية وطنية جامعة تتسع لكل أبنائها.
تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 03-نوفمبر-2026 الساعة: 09:47 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69144.htm