الميثاق نت -

الإثنين, 13-يوليو-2026
عبدالسلام الدباء * -
هل تعرفون ما هو أكثر الأصوات ضجيجاً وأقلها قيمةً؟، إنه صوت الطبل؛ يجلجل في الساحات، ويستدير الناس نحوه، لكنه في النهاية ليس أكثر من جِلْدٍ مشدود على فراغ.. ولو أردتَ أن تكتب سِيرة بعض الكُـتَّاب والإعلاميين والناشطين الذين قرروا أن يؤجّروا ضمائرهم لِمَنْ يدفع أكثر، فلن تجد وصفاً أدق من هذا: ضوضاءٌ واسعة، ومحتوى منعدم، وتصفيقٌ كثير لفراغٍ كبير..
في كل عصر، تفتح السلطة أبوابها لِمَنْ يجيد الانحناء أكثر من التفكير.. تمنحه مقعداً قريباً من الضوء، وتضع أمامه ميكروفوناً لامعاً، وتعلّق على صدره أوسمة من كلمات رنانة مثل “المحلل الكبير” و“ضمير الأمة” و“صوت الوطن”، بينما الوطن الحقيقي يجلس في زاوية بعيدة يراقب المشهد بدهشة، ويتساءل إنْ كان هذا السيرك يُقام باسمه حقاً..
يبدأ الطـبَّال رحلته مزهواً.. يكتب ما يُملى عليه، ويهاجم مَنْ يُطلب منه، ويغـيّر قناعاته بسرعة مذهلة، حتى ليبدو أن مبادئه مصنوعة من مادة قابلة للذوبان في أول كوب قهوة داخل مكتب مسؤول نافذ.. يمدح الحاكم الحالي بوصفه عبقرية نادرة، ثم يمدح القادم الجديد بالعبارة نفسها، وكأن العبقرية، في عالمه، تنتقل مع مفاتيح القصر والموكب الرسمي..
لكن السلطة، على قسوتها، تملك حِساً ساخراً لا يرحم.. فهي تعرف جيداً أن مَنْ باع ضميره لها اليوم قادر على بيعه لغيرها غداً، ولذلك تستخدمه كما يستخدم المسافر عود ثقاب في ليلة باردة: يمنحه وهجاً مؤقتاً، ثم يلقي به محترقاً على قارعة الطريق.. تأخذه ممتلئاً بالهيبة والامتيازات، ثم ترميه عَظْمةً يابسة لا يلتفت إليها أحد..
كم من وجوه كانت تملأ الشاشات والصفحات، ثم اختفت فجأةً كما تختفي الإعلانات بعد انتهاء الحملة.. كانوا يظنون أنهم صُنَّاع قرار، فإذا بهم مجرد أدوات موسمية في مستودع المصالح.. بالأمس كان لهم جمهور إلكتروني يهتف: “أبدعتَ”، واليوم لا يجدون حتى تعليقاً واحداً يسأل: أين ذهب الرجل الذي كان يشرح لنا الكون كل مساء؟
إن العِز الحقيقي لا يسكن القصور، ولا يُقاس بعدد الدعوات الرسمية ولا ببطاقات كبار الزوار.. العِز أن تبقى وفياً للحقيقة حين تصبح مكلّـفة، وللوطن حين يتكاثر عليه التجار، وللشعب حين يضيق به المتحدثون باسمه.. العِز أن تنظر في المِرآة فلا تضطر إلى الاعتذار لصورتك..
أما الذين باعوا أقلامهم مقابل حفنة مال أو دقائق من الشهرة، فإنهم يربحون التصفيق سريعاً، لكنهم يخسرون أنفسهم بالتقسيط المريح.. وحين تتبدل الموازين، ويأتي الدور عليهم، يكتشفون أن الكرسي لم يحبهم قَط، وأن السلطة لم تحفظ أسماءهم، وأن التاريخ سجَّلهم في الهامش تحت عنوان صغير: “استُخدِمَ ثم أُهمِلَ”..
فليتعلم الطبَّالون قبل أن يسقط آخر إيقاع: لا أحد يربح حين يخسر ضميره.. وما أغرب هذه الصفقة؛ أن يبيع الإنسان صوته ليُسمَع، ثم ينتهي به الأمر إلى صمتٍ لا يسمعه حتى هو نفسه!!

* مستشار وزارة الشباب والرياضة

تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 03-نوفمبر-2026 الساعة: 08:05 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69114.htm