الميثاق نت -

الإثنين, 13-يوليو-2026
محمد علي اللوزي -
المثقف المؤدلَج لا يرى في اللغة فضاءً لاكتشاف الحقيقة، بل يراها أداةً معركية أو سلطوية.. الكلمات عنده أصبحت جاهزة ولها حمولة فكرية محدَّدة، وفكرة مغلقة لا تقبل التأويل، ومهمته ليس إنجاز المعرفي قدر الدفاع عن قَوْلةٍ تَـهجَّاها وسار فيها ويرفض مناقشتها ويتعصب لها.. لذلك، الفكر لديه صناعة الآخر، وليس اشتغالاً على الفضاء المعرفي والإنتاج والإبداع، والنشاط الذهني والتساؤلات ومعرفة الآخر، والإسهام في العملية الإبداعية والإضافة..
المثقف المؤدلَج مُقَوْلَب، محكوم بنمط معين، متعصّب، ويتمترس ضد الجديد المعلَـن عنه، يعيش حالة شك من كل فكرة مغايرة، لما لديه من حَشْو ذهني هو صناعة الآخر.. لذلك نراه في دائرة التصنيف والتبريرية، والوقوف مع أو ضد.. وظيفته محدَّدة، منكمشة، مغلَّفة بعبارات وجُمَل يلقي بها على كل متفتّح ناقد متسائل فسيح الأرجاء معرفياً..
لدى المثقف المؤدلَج استخدام الكليشيهات والمصطلحات الصارمة، التي تعمل كجدران تمنع التفكير خارج الصندوق الأيديولوجي، بدلاً من أن تكون نوافذ تطل على الواقع.. اللغة هنا تعيد إنتاج نفس الأفكار بوجوه مختلفة، دون إضافة حقيقية..
بينما المثقف التوليدي نجد اللغة لديه حية فاعلة متسائلة، لا تقبل الجاهز وتمتنع أن تكونه، وقد تأخذ منه وتستفيد منه، ولكنها لا تتشكل حسب هواه.. إنه المثقف الرافض القمع الفكري ولكل ما يَحُد من المعرفي.. إن اللغة لديه حية متسائلة وكاشفة.. بهذا المعنى هي إنتاجية إبداعية فاعلة تسبر الأغوار وتفتح آفاقاً، وتواجه التناقضات الإنسانية والواقعية دون أحكام مسبقة..
إنها لغة تفكيكية تبني أسئلة جديدة من رحم الأجوبة، وتسمح للمثقف بأن يتحرك في مساحات الرمادي، متجاوزاً ثنائية الأبيض والأسود الحادة التي تفرضها الأيديولوجيا القامعة، التي تقبل بالمقولات الجاهزة والتفكير المُؤطَّر..
وحين تتحول اللغة من فضاء توليدي يوسّع المدارك، إلى مجرد جهاز توظيفي، يَفقد المثقف قدرته على النقد الذاتي، وتتحول ثقافته من وعي بالواقع إلى دفاع عن المُلقن له..
هذا التحوُّل يجعل لغة المثقف المؤدلَج، على رصانتها الظاهرة، لغة مكرَّرة رتيبة سطحية يسهل التنـبُّـؤ بخواتيمها.. لأن النتيجة لديه مستقرة في الذهن قبل بدء الكتابة، وما الكلمات إلا جنود لخدمة هذه النتيجة.. هكذا نراه حامل إرث مجبول على الانسياق وراءه والتفكير من خلاله والارتهان إليه..
المثقف المؤدلَج حجر عثرة في طريق الإنجاز الإبداعي والإضافات التي تشكّـل منطلَـقاً جديداً لمزيدٍ من فعل الإخصاب الإبداعي.. نحن هنا لا ننكر عَظَمة الموروث ولا ندعو إلى التخلُّص منه، إنما الحوار معه، والإضافة عليه وجَعْله الأرضية التي تحترم وتقبل البناء عليها.. بهذا المعنى ليس ثَمة هدم ولا عدمية ولا إنكار للآخر.. بقدر ما المسألة هنا هي استلهام وتَـفَـتُّح ورؤية فيها الذات الواعية حاضرة، وفيها الإنساني الذي لا يستكين للتدجين ولا يقيم علاقة اشتباك منفعل مع الآخر، بقدر ما هو يعـبّر عن التثاقف عن العلاقة التوليدية المتناصة مع كل عملية فكرية وإبداعية.
تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 03-نوفمبر-2026 الساعة: 05:50 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69106.htm