الميثاق نت -

الإثنين, 13-يوليو-2026
السفير/أحمد لقمان -
لكل حرب بداية، لكن نهايتها هي الاختبار الأصعب.. فعندما تلوح بوادر السلام، لا تتوقف المعركة، بل تتغير أدواتها؛ إذ يحاول كل طرف أن يحقق على طاولة المفاوضات ما عجز عن تحقيقه في ميدان القتال، فيرتفع سقف المطالب، ويصبح الاتفاق رهينة البحث عن سلامٍ كامل، بينما تضيع فرصة السلام الممكن..
غير أن التاريخ يُعلّمنا حقيقة لا تقبل الجدل؛ فلا حرب كبرى انتهت باتفاق مثالي، ولا سلام وُلد مكتملًا.. لقد انتهت الحروب دائمًا بتسويات شابها النقص، لكنها نجحت لأنها أوقفت نزيف الدم، ومنحت الشعوب فرصة لإصلاح ما عجزت الحرب عن إصلاحه..
واليمن اليوم يقف أمام هذه اللحظة الفاصلة.. فبعد مايقرب من إثني عشر عاماّ من الصراع بكل نتائجه ومآسيه، لم يعد السؤال: مَنْ ربح ومَنْ خسر؟.. بل أصبح السؤال: كيف نوقف هذه الخسائر المستمرة، ونمنح الوطن فرصة حقيقية لاستعادة عافيته..؟
لقد دفعت اليمن ثمنًا باهظًا من أرواح أبنائها، ومن اقتصادها، ومن وحدتها الاجتماعية، ومن مستقبل أجيالها.. ولم يعد أخطر ما يواجه أي اتفاق سلام هو ما قد يتضمنه من ثغرات، بل أن تتحول تلك الثغرات إلى ذريعة لإضاعة فرصة قد لا تتكرر..
فالسلام ليس نهاية الخلاف، بل بداية إدارته بعقل الدولة بدلًا من منطق الحرب.. وما يتعذر حله تحت أزيز الرصاص، يصبح ممكنًا في ظل الاستقرار، حيث تستعيد الدولة مؤسساتها وينهض الاقتصاد ويعود المواطن إلى مدرسته ومزرعته ومصنعه ومكتبه، ليصنع الحياة ويتفرغ الناس للبناء والإنتاج بدلاً من البقاء أسرى للخوف والحرمان وأعباء الصراع..
ومن هنا، فإن هذه الكلمات تمثّل دعوة صادقة لجميع القيادات اليمنية الفاعلة، داخل الوطن وخارجه، إلى أن تنظر لليمن بوصفه القضية الكبرى التي تسمو على كل الحسابات الأخرى.. فالتاريخ لن يتذكر مَنْ تَشدَّد في التفاوض، بل سيتذكر مَنْ امتلك الحكمة ليوقف الحرب، ويمنح وطنه فرصة جديدة للحياة..
وفي الوقت نفسه، فإن السلام في اليمن لم يعد شأنًا يمنيًا فحسب، بل أصبح مصلحة استراتيجية لدول الجزيرة العربية جميعها دون استثناء، فاستقرار اليمن يعني استقرار الجوار، وأمْن الممرات البحرية، وتعزيز فرص الاستثما، وترسيخ بيئة إقليمية آمِنة لمشروعات التنمية الكبرى التي تشهدها المنطقة..
ولذلك فإن جميع دول الجزيرة العربية عامةً والسعودية على وجه الخصوص، تمتلك مصلحة حقيقية في إنجاح هذا المسار، ليس باعتباره حلًا لأزمة يمنية فحسب، بل باعتباره استثمارًا في مستقبل المنطقة بأسرها.. فالعالم يتغير بسرعة، والدول قاطبةً تتنافس على الاقتصاد والتقنية وجذب الاستثمارات، بينما لا تزال منطقتنا تستنزف جزءًا من طاقتها في صراعٍ طال أمده أكثر مما ينبغي..
إن إدارة الأزمة لم تعد كافية؛ والمطلوب اليوم هو إنهاؤها.. فالقضايا المؤجَّلة لا تختفي، بل تتعقد، بينما يصنع السلام بيئة تسمح بتصحيح الأخطاء، واستكمال ما لم يتحقق في الاتفاق الأول، وبناء الثقة خطوةً بعد أخرى..
هذه ليست دعوة إلى التنازل عن الحقوق أو المبادئ، وإنما دعوة إلى تغليب مصلحة الوطن، والإيمان بأن السلام ليس نهاية الطريق، بل بدايته.. فما قد يعجز اتفاق اليوم عن تحقيقه، يمكن أن يحققه استقرار الغد؛ أما ما تهدمه الحرب فلن يعوّضه أي انتصار..
لقد آن الأوان أن ينتصر الجميع لليمن، لا على بعضهم بعضًا، وأن تتحول هذه اللحظة إلى بداية مرحلة جديدة، عنوانها الدولة، والاستقرار، والتنمية..

وليس المطلوب أن نبحث عن سلامٍ يرضي الجميع، بل عن سلامٍ يحمي الوطن وينقذ الجميع.

تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 03-نوفمبر-2026 الساعة: 06:45 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69098.htm