الميثاق نت -

الإثنين, 15-يونيو-2026
د. علي أبو حليقة -
(المؤتمر الشعبي العام بين النظرية والتطبيق) .. دراسة فكرية تحليلية تتناول ابرز مضامين الميثاق الوطني ومحطات في مسيرته للدكتور علي أبو حليقة عضو اللجنة العامة الوزير السابق لشئون مجلسي النواب والشوري.
(الميثاق) تنشر الدراسة في حلقات..

أولاً : مقتطَفات من حديث القائد المؤسس في ماهية الميثاق الوطني :
لقد جاء الميثاق الوطني ممثّلاً لنواه وحدة الشعب الفكرية المجسّدة لآماله وطموحاته، والمتفاعلة مع أصالته وعقيدته الإسلامية..
جاء ذلك في وقتٍ كانت المذاهب الفكرية والسياسية المتعدّدة من مختلف مشاربها السياسية والفكرية تغازل بل وتتجاذب مختلف شرائح المجتمع اليمني وفئاته وطلائعه السياسية..
فجاء الميثاق الوطني كأيديولوجية وطنية ونظريه سياسية متقدمةُ مركّـزاً على الأسس الوطنية والإسلامية، هادفاً إلى الارتقاء بقدرات الإنسان اليمني وإمكانياته بغية خلْق التفاعل الإيجابي لتعميق الوحدة الوطنية؛ ومؤصّلاً للفكر الوطني بغية الوصول إلى وحدة الوطن؛ ومرسّخاً مفاهيم بناء الدولة اليمنية الحديثة..
ومنذ إقراره من قِـبَل المؤتمر العام الأول للمؤتمر الشعبي العام في 1982/8/26م ظل الميثاق بنظريته الشاملة كدليل عمل سياسي لكل القوى الوطنية والقومية في مختلف الاتجاهات السياسية، في إطار التنظيم الجامع المؤتمر الشعبي العام، وحتى عام 1990م تاريخ قيام دولة الوحدة المباركة، حينما أعلنت القيادة السياسية انتهاج مبدأ التعددية الحزبية وما قرره دستور دولة الوحدة.. وأعلنت قيادة المؤتمر أن الميثاق الوطني هو نظرية وأيديولوجية المؤتمر الشعبي العام ودليل عمله السياسي، ومن ذلك الوقت ظل وسيظل الميثاق الوطني هو النظرية الوطنية والدليل الفكري والسياسي للمؤتمر الشعبي العام التنظيم الوطني الرائد..

ثانياً: الميثاق الوطني يمثّل التوازن الأيديولوجي:
لقد وُضع الميثاق الوطني في مرحلة غليان سياسي واجتماعي، وأحداث ساخنة امتدت على أكثر من عقدين من الزمن (السبعينيات والثمانينيات) من هذا القرن..
ففي جنوب الوطن سابقاً كانت هناك دولة تقوم على النظرية الماركسية بل وأكثرها تشدداً وراديكالية، وفي شمال الوطن آنذاك كانت الحركات السياسية المختلفة تتصارع، ويحتدم بينها الجدل الكلامي، وجدل البنادق، ففي هذا الحيز الجغرافي اصطفت الحركات اليسارية المناصرة للنظام في الجنوب والحركات القومية المعتدلة التي لم تجد بُداً من الانطواء تحت شعارات التقدم؛ وبين كل الحركات والاتجاهات كانت تقف الدولة بنَـفَسها الوطني الهادئ المعتدل..
فلم تكن الدولة تقف تماماً مع التقليد القديم، بل ولم تكن تناصر الجديد المتطرف، وإلا كانت أتت بقوة إلى السلطة وسيطرت عليها وألغت كل تقليدي في النظام..
وعلى الرغم من سيادة مرحلة الاضطرابات، والاعتقالات والمطاردة لقوى التحرير، فإن ذلك لم يكن مقصوداً منه إلغاء الجديد والحديث، إذ ظلت الحركات والأحزاب السياسية موجودة ومعروفة ولكنها لم تعلن عن نفسها وظلت تعمل في الخفاء..
لقد كان الأمن الوطني يطارد في الظاهر أفراد الحركات السياسية التقدمية. غير أن الأمن الوطني نفسه كان يضم قادة من أولئك الوطنيين والحزبيين القدامى، لذلك كانت هنالك سمة واضحة تميّز كل العلاقات هي سمة التوازن الخفي..
فكان ترجمة تلك السمة التوازنية الواضحة من خلال فريق العمل الذي أنجز مشروع الميثاق الوطني.. إنه على ما يبدو فريق غير متجانس عقائدياً وفكرياً، ولكنه كان مدركاً ضرورة الحفاظ على وسائل الاتصال والتواصل بين القوى السياسية المختلفة في الساحة والدولة كنظام وسيط..
إن السمة التوازنية الجلية في الخطاب الأيديولوجي في نص الميثاق الوطني تعبّر عن نفسها بجلاء عبر شمولية ذلك الخطاب واحتوائه على الخصائص التالية :
1. أنه خطاب وسط يلغي الحدية الفكرية ويقيم بدلاً منها خطاباً متعدد الأصوات متنوع الدلالات..
2. من خصائص ذلك الخطاب تجاوزه الأيديولوجي، وتَلمُّس قاعدة الوسط المذهبي في إقامة العلاقات بين المذاهب والأفكار والنظريات وبين الجماعات والقوى الاجتماعية المختلفة.. إنه بعبارة أدق تعبير عن طموح عام وشامل للتعبير، فهو لم يصدر باعتباره نصاً دينياً روحياً خالصاً، أو نظرية مادية للتغيير خالية من جانبها الروحي..
فعلى سبيل المثال فقط نرى كيف يتحدث الميثاق عن مفهوم العدل الاجتماعي ((العدل الاجتماعي هو التطبيق الواقعي للقِـيَم المنبثقة عن الإسلام، بحيث يسود بناء المجتمع اليمني جو من الحب والتعاون والإيثار، بما يحمله من معانٍ إنسانية شاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية ومقوماتها، يتناول جميع مظاهر الحياة وجوانب النشاط فيها، كما يتناول الشعور والسلوك والضمير والوجدان فيه القيم المادية بالقيم الروحية، وتغدو القيم الاقتصادية والاجتماعية حلقة من حلقاته في تعادلية تحقق تكافؤ الفرص والعدل بين الجميع وإطلاق الطاقات الفردية والعامة في حدود منهج الله وشرعه)).

ثالثاً: النضج السياسي والوطني في الميثاق :
إن الدارس المتمعّن لنصوص ومفاهيم الميثاق الوطني، لَـيدرك تماماً مدى النضج الفكري والسياسي والوطني الذي تميزت به هذه النظرية الميثاقية.. وإذا ما تعرضنا وبدون انتقائية لبعض القضايا الكبرى التي تضمنها الميثاق الوطني الذي نقف حوله بالدراسة والتحليل لَـنجد من أهم ما نجد في تَمسك المنطق الداخلي والنظر إلى الوحدة الفكرية ومدى عمق النضج الفكري والسياسي والاجتماعي في نهج الميثاق الوطني.. نلتمس ذلك في نص الحقيقة الأولى من الميثاق الوطني إذ تقول: ((إن شعبنا لم يصنع حضارته القديمة إلا في ظل الاستقرار والأمن والسلام، ولم يتحقق له ذلك إلا في ظل وحدة الأرض والشعب والحُكم، ولم تتحقق له الوحدة إلا في ظل حكم يقوم على الشورى والمشارَكة الشعبية))..
وقد تَـعامل مع هذا المطلب العام على أنه نتيجة لشرطين يجب أن يتوافرا قبل ذلك وهما:
- تأمين وحدة الأرض وما يترتب عليها من وحدة (الشعب) ووحدة الحُكم..
- تأمين مبدأ الشورى والمشارَكة الشعبية كمنهج للحياة السياسية والإدارية بما ينظم العلاقات بين الشعب والسلطة سياسياً والعلاقة بين المركزية والوحدات الإدارية..
ومعروف أن إقرار الميثاق الوطني وإعلانه في المؤتمر العام الأول للمؤتمر الشعبي العام، كانت الأرض اليمنية مشطَّرة والشعب مجزَّءاً، فتحددت منطلقاته وأهداف المؤتمر الشعبي العام بمواجهة تلك التحديات والتي تأتي في صدارتها قضية الوحدة اليمنية..
وبدت عقلانية وموضوعية النصوص الميثاقية والتي تترجم وتعبّر عن توجُّهات المؤتمر الشعبي العام في تحديد الشروط الموضوعية والتمهيدات التي من شأنها أن تكفل تحقيق إعادة الوحدة اليمنية.. ومن أهم تلك الشروط:
- إسناد مهمة تحديد شكل الوحدة وأسسها الدستورية إلى الشعب..
- استقلال الخطوات الإجرائية والتمهيدية عن التبعية حينها لأي من المعسكرين الدوليين بطريقة مباشرة وغير مباشرة..
- الالتزام بأساليب الحوار الواعي والسعي لتحقيق الوحدة بالوسائل السلمية..

رابعاً: الحوار والميثاق الوطني
إن الفترة الزمنية التي تم فيها الحوار من قِـبَل لجنة الحوار المكونة من خمسين عضواً مثلوا مختلف الشرائح والاتجاهات السياسية والفكرية آنذاك والتي أسفرت عنها أهم وثيقة في الفكر السياسي اليمني، المحددة للأسس الفكرية والسياسية لنظام الحكم في اليمن؛ فإننا نجد أن القوى الوطنية من خلال إنجاز هذه الوثيقة التاريخية قد وصلت بعد موجات من الصراع السلبي والتحليلات السياسية الجادة إلى اقتناع بضرورة الوصول إلى حلول إيجابية تستمد جذورها من الواقع القائم، ومن الثوابت الروحية والوطنية، لا من الشعارات التي كانت سائدة داخل بعض العقول المغلقة والمفترية، والتي أثبتت الأيام عُقم تصوراتها وفشلها..
الجدير بالذكر أن تلك الفترة قد بدأت بعد فترة قليلة من صعود القائد المؤسّس الذي تبنَّى الدعوة إلى الحوار بدافع الشعور المسؤول بخطورة الفراغ الفكري والسياسي والحساسية المفرطة الملازمة للأنظمة التي تعاقبت على الشطرين تجاه كل أشكال الديمقراطيات، وكل ما يشير إليها.. وقد أتاحت هذه الفترة فرصة طيبة لعدد من المثقفين الذين كان بعضهم في السلطة وبعضهم الآخر خارجها لدراسة كامل التجربة الوطنية حيث شرعوا مجتمعين أو منفردين في مراجعة أسباب الهزائم والخيبات التي لحقت بالأحلام الوطنية..
وأن مرحلة البحث عن الدليل النظري للمؤتمر الشعبي العام (الميثاق الوطني) ستبقى صفحة مشرقة في تاريخ الوطن؛ تلك المرحلة التي حتمت ضرورة الحوار، ورفضت الانغلاق الفكري، وسعت للدعوة إلى الانفتاح عن أفكار الآخرين والحوار معهم حول المواقف المشترَكة والاعتراف المتبادَل من كل الأطراف التي ارتضت الحوار، وقد كانت لحُسْن الحظ تمثّل كل الاتجاهات القائمة تقريباً والتي كانت تشغل الساحة بأحلامها وهمومها واندفاعاتها وانكساراتها، وقد كانت تشغل الخطوة الأولى على طريق الحوار والاعتراف بالثوابت الروحية والوطنية، والتسليم بأن انتصار الثورة في استمراريتها وتطورها، ثم تحولها إلى نهج ديمقراطي راسخ، تصبح قواعده وأصوله جزءاً من حياة الناس يعيشونه ويمارسونه على مستوى المجتمع والدولة، كما تشير إلى ذلك السطور الأولى من مقدمة الميثاق..
وإذا كان الحوار في حد ذاته يُـعد عملاً ديمقراطياً ودعوة ملحة إلى الأخذ بالديمقراطية فإن القواسم المشترَكة التي تم التوصل إليها في تلك الأيام قد قادت الأمور إلى حوار أكبر (حوار الوحدة بين الشطرين - آنذاك)، أو بالأصح بين نظامين متخاصمين، وكاد زمن الوحدة بعد ذلك الحوار يصبح أقرب لولا أحداث 13 يناير 1986م المؤسفة التي كادت تعصف بكل المحاولات الناتجة عن الحوار، والمساجلة الهادئة.. لقد التقى في حوار الميثاق أشخاص من كل الاتجاهات وشاركت فيه اليمين واليسار الإقليمي والقومي التقدمي وغير التقدمي، وذابت الثلوج المتجمدة وتنازل البعض مؤقتاً أو دائماً عن قناعتهم ومقولاتهم السياسية السابقة.
تمت طباعة الخبر في: السبت, 19-سبتمبر-2026 الساعة: 12:03 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68997.htm