حسن الدولة - تمرّ الذكرى السادسة والثلاثون لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية المباركة في الثاني والعشرين من مايو، واليمنيون اليوم يقفون أمام واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً وحساسيةً في تاريخهم الحديث، وهم يستعيدون ذكرى مشروع وطني عظيم لم يكن مجرد اتفاق سياسي عابر، بل كان حُلماً تاريخياً سكن وجدان اليمنيين جيلاً بعد جيل، وتطلُّعاً وطنياً عميقاً ظلّ حاضراً في ذاكرة الآباء والأجداد حتى تَحقق سلمياً عام 1990م، في لحظة وطنية نادرة اختلطت فيها مشاعر الفرح بالأمل بميلاد وطن موحَّد يتسع للجميع..
لقد كانت الوحدة اليمنية أعظم إنجاز وطني تَحقق في العصر الحديث، لأنها لم تُفرض بقوة السلاح، ولم تُصنع تحت وَقْع الاحتلال أو الإكراه، بل جاءت ثمرة إرادة شعبية وسياسية آمنت بأن اليمن الواحد أكبر من التشطير، وأبقى من الانقسامات، وأعمق من المصالح الضيّقة.. غير أن هذا المشروع الوطني الكبير تَعرَّض منذ سنواته الأولى لاختلالات خطيرة وأخطاء جسيمة ارتكبتها النخب السياسية التي تَعاملت مع الوحدة باعتبارها تَقاسماً للنفوذ والثروة، لا مسؤولية وطنية لبناء دولة عادلة ومواطَنة متساوية..
لقد جاءت حرب صيف 1994م كأول طعنة مؤلمة في جَسَد الوحدة، حين تَحوَّل الخلاف السياسي إلى مواجهة عسكرية أضعفت الثقة الوطنية، ورسَّخت مشاعر الإقصاء والاحتقان، وفتحت الباب أمام ممارسات خاطئة شوَّهت المعنى الحقيقي للوحدة في نظر كثير من اليمنيين.. وبدلاً من أن تُعالَج آثار الحرب بالحِكمة والعدالة والمصالحة الوطنية، تُركت الجِراح مفتوحة، فتَراكمت الأخطاء وتَعاظمت المظالم، حتى دخل اليمن في دوامة من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية..
ثم جاءت أحداث عام 2015م لتشكّـل الطعنة الأشد إيلاماً والأكثر خطورةً، حيث انهارت مؤسسات الدولة، وتَمزَّق النسيج الوطني، وتَحوَّلت اليمن إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية، وتَعدَّدت سلطات الواقع، وتَراجع المشروع الوطني الجامع أمام المشاريع الصغيرة والانقسامات الضيّقة.. وفي خِضَم هذه الفوضى، وجد اليمنيون أنفسهم أمام خطر حقيقي يهدّد وجود الدولة ووحدة المجتمع والجغرافيا معاً، حتى بدا وكأن الوحدة التي حلم بها الملايين قد أصبحت مهدَّدة بالفقدان الكامل..
ومع ذلك، ظلّ الشعب اليمني أكثر وعياً من كثير من القوى المتصارعة بأهمية الحفاظ على الوحدة، لأن اليمنيين يدركون بفطرتهم الوطنية أن تمزيق الوطن لن يصنع سلاماً، وأن الكراهية لا تبني دولة، وأن المشاريع القائمة على العصبية أو السلالة أو المناطقية لن تقود إلا إلى مزيدٍ من الاحتراب والانهيار.. كما يدرك اليمنيون أن معالجة أخطاء الماضي لا تكون بتدمير الوطن، وإنما بإصلاح مسار الدولة وتصحيح الاختلالات وبناء شراكة وطنية حقيقية قائمة على العدالة والمساواة وسيادة القانون..
ويرى كاتب هذه السطور أن الحل الحقيقي للقضية اليمنية لا يمكن أن يكون عسكرياً أو إقصائياً، بل يظل الحل السياسي الشامل هو الطريق الوحيد الممكن لإنقاذ اليمن واستعادة الدولة وتحقيق السلام.. وهذا الحل ينبغي أن يستند إلى المرجعيات الثلاث المحلية والإقليمية والدولية، مع ضرورة مراجعتها وتطويرها بما يتناسب مع المتغيّرات التي طرأت منذ 21 سبتمبر 2014م، بحيث تصبح أكثر قدرةً على استيعاب الواقع اليمني الجديد وتعقيداته السياسية والإنسانية..
كما أن رَأْب الصدع بين سلطات الواقع المختلفة، وإعادة بناء الثقة بين اليمنيين، يتطلبان مشروعاً وطنياً جامعاً يعيد الاعتبار لفكرة الدولة الاتحادية العادلة، ويستند إلى مسودة الدستور المنبثقة عن مخرجات الحوار الوطني الشامل، باعتبارها واحدة من أهم الوثائق الوطنية التي حاولت معالجة جذور الأزمة اليمنية، وصياغة عَقْد اجتماعي جديد يقوم على الشراكة والتوازن والحقوق المتساوية..
إن اليمن اليوم بحاجة إلى خطاب عقلاني يُغلّب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيّقة، ويؤمن بأن الحفاظ على الوحدة لا يعني الدفاع عن أخطاء الماضي، بل تصحيحها ومعالجتها بروح وطنية مسؤولة.. فالوحدة ليست سلطة، وليست غَلَبة طرف على آخر، وإنما هي إطار جامع لكل اليمنيين، ومشروع حضاري لا يمكن أن ينجح إلا بالديمقراطية والعدالة والتنمية والشراكة الحقيقية..
وفي الذكرى السادسة والثلاثين للوحدة، لا بد أن يتذكّر الجميع أننا كدنا نفقد وطناً بأكمله حين فقدنا لغة الحوار، وقدَّمنا المصالح الصغيرة على المصلحة الكبرى.. ولذلك فإن الواجب الوطني اليوم يقتضي من كل القوى السياسية والاجتماعية أن تتجاوز خطاب التخوين والكراهية، وأن تتجه نحو مصالحة وطنية شاملة تُنهِي آثار حربي 1994م و2015م، وتفتح صفحة جديدة يكون عنوانها الدولة والسلام والمواطَنة المتساوية..
ستظل الوحدة اليمنية، رغم كل الجِراح، أملاً يسكن ضمير اليمنيين، لأنها ليست مجرد حَدَث سياسي ارتبط بتاريخ معين، بل حقيقة تاريخية واجتماعية وثقافية وجغرافية لا يمكن محوها.. وربما تكون هذه الذكرى فرصة صادقة لمراجعة الأخطاء، واستعادة الوعي الوطني، والإيمان بأن اليمن لا يمكن أن ينهض إلا بكل أبنائه، وأن المستقبل لن يُبنى إلا بالتسامح والحوار والشراكة والاحتكام إلى إرادة الشعب..
المجد لليمن الواحد..
والرحمة لكل ضحايا الحروب..
والسلام لليمنيين جميعاً.
|