الميثاق نت -

الجمعة, 22-مايو-2026
د. ابراهيم الكبسي -
في حياة الأمم والشعوب لحظات لا تُقاس بالسنوات، بل بمدى استعادتها تَوازنها الوجودي وقانونها الطبيعي، واليمن هذا الوطن الضارب بجذوره في أعماق الحضارة الإنسانية، لم تكن وحدته في الثاني والعشرين من مايو 1990م مجرد حدث سياسي طارئ، بل كانت إعلاناً تاريخياً بعودة الروح إلى جسدها، وتَصالح التاريخ مع الجغرافيا بعد عقود من الاغتراب القسري..

إن المتأمّل في كينونة الإنسان اليمني يدرك أن الوحدة هي الشفرة الوراثية التي نُقشت بخط المسند على صخور جبال اليمن الشامخة، فمنذ العصور الغابرة حين كانت الممالك اليمنية ترسم ملامح السيادة في جنوب شبه الجزيرة العربية، لم يكن الازدهار ليتحقق إلا تحت راية التكامل والوحدة..

لذلك أقول إن الوحدة ليست خَياراً نملكه، بل هي نظام مستقر أثبت القرآن الكريم والتاريخ العتيد أن اليمن لا يستقيم ظِله ولا تطيب ثمرته إلا حين يكون بنياناً مرصوصاً واحداً، وتلك البلدة الطيبة التي أطاب الله أرضها وأصلح شأنها وخلد ذكرها، لم تكن لتوجد إلا بانسجام أركانها وتَلاحم أطرافها وتَوحُّد قلوبها..

وإذا نظرنا بعين الحكمة إلى الجغرافيا اليمنية، لَـوجدناها تأبى القسمة أو التجزئة بفطرتها، فهي أشبه بنظام متكامل لا يقبل الاختلال، فتلك الرياح الموسمية التي تسوق الغيث إلى مدرجات إب وتعز وريمة والمحويت وحجة، هي ذاتها التي تمد شرايين الحياة نحو سهول ووديان تهامة ولحج وأبين، وما كان سد مأرب ليمتلىء بالخيرات لولا سيول صنعاء وذمار والبيضاء، وماذاك النهر الخارد عنا ببعيد، ذلك الشريان الذي يؤكد وحدة الأرض قبل الإنسان وهو يطوف باليمن من قلبها صنعاء حتى وديان حضرموت التاريخ ليعانق بحر العرب في دورة طبيعية لا تعترف بالحدود الشطرية الوهمية..

إنها الأرض هنا لا تتحدث لغتين، وشرايين الوديان وهي تعانق بعضها شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، والجبال التي تحرس صنعاء وتبقي عينها الساهرة على سواحل عدن هي امتداد لعمود فقري واحد، يرفض أن ينحني أمام عواصف التفتيت أو محاولات التشظّي..

تمر الذكرى السادسة والثلاثون علينا هذه الأيام، واليمن يواجه سيلاً هادراً لا يتوقف من المؤامرات التي تسعى لجعل التجزئة واقعاً، والتناحر قَدراً، لكن هؤلاء الحمقى يتناسون أن وحدة هذا الشعب ليست مجرد شعارات، بل هي وعي شعبي جمعي تَراكم عبر القرون، صقله أبناؤه الكرام بصبرهم ودمائهم وعَرقهم وتضحياتهم..

إن القوة الكامنة في الذات اليمنية تكمن في قدرتها على امتصاص الصدمات والأزمات العاتية وإعادة ترتيب صفوفها، فاليمن وإنْ ألمت به الخطوب، يبقى كياناً عصياً على الانكسار، يستمد صموده من يقينه بأن التشظّي هو استثناء عابر، وأن الوحدة هي الحقيقة الأزلية التي لا ولن تندثر أو يموت ذِكرها، لأنها فطرة يمنية أصيلة..

في هذه المناسبة الغالية لا نحتفي بمجرد ذكرى، بل نجدّد العهد مع وطن علَّم العالم معنى الحضارة.. إنها دعوة لاستحضار روح الرواد الذين وهبوا حياتهم ليظل عَلَم الجمهورية خفَّاقاً في كل شبر من هذه الأرض الطيبة..

لذلك أقول إن اليمن سيبقى واحداً موحَّداً، ليس فقط لأن السياسة تقتضي ذلك، بل لأن الجغرافيا تأمر به، والتاريخ يشهد له، والقرآن يباركه، ولأن أبناءه الكرام يأبون إلا أن يظل وطنهم عظيماً، مهيباً، ومتصالحاً مع عَظَمة ماضيه وإشراق مستقبله.. نَـعَم، نحن اليوم نعاني ولكن المعاناة هي المخاض الصعب الذي يسبق ميلاد فجر جديد.
تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 03-نوفمبر-2026 الساعة: 06:21 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68933.htm