د. طه حسين الهمداني - تَحلُّ علينا ذكرى الثاني والعشرين من مايو، اليوم الذي أشرقت فيه شمس الوحدة اليمنية، وأعادت صياغة تاريخ اليمن والمنطقة، ومنحت اليمنيين أملاً بدولة حديثة تتجاوز التشطير والانقسام والصراعات الصغيرة إلى فضاء الدولة الوطنية الجامعة..
لم تكن الوحدة مجرد حدث سياسي عابر في التاريخ، بقدر ما كانت تعبيراً عن إرادة شعبية عميقة آمنت بأنه لا يمكن أن تستقر الحياة الاجتماعية والسياسية إلا بنسيج جغرافي تحت مظلة دولة واحدة معزَّزة بحضور المكان ووحدة الإنسان كجوهر قوة ترتكز عليه الحياة..
لقد مثَّل قيام الجمهورية اليمنية في الـ22 من مايو 1990م نقطة تَحوُّل استراتيجي في المنطقة، إذ أوجد كياناً سياسياً يمتلك عمقاً ديموغرافياً وجغرافياً مهماً، يمتد من البحر الأحمر إلى بحر العرب، ويشرف على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم..
بفضل هذا التحوُّل، أصبح لليمن حضور متميّز، جعل منه صاحبَ تأثيرٍ واسعٍ في محيطه الإقليمي والدولي.. كما أثبتت التجربة أن اليمن الموحَّد كان ولا يزال صمام أمان لاستقرار المنطقة؛ إذ أن الوحدة أنهت حقبة من الصراع الداخلي في إطار كل شطر، ومن الصراع الشطري الشطري، ومن التجاذبات الإقليمية والدولية التي ظلت توظّف كل شطر لمصلحة أجندتها في المنطقة؛ وكان البديل لكل ذلك هو وجود الدولة الجامعة التي تَحُول دون الفوضى وتَـعدُّد مراكز النفوذ والصراع وبروز مشاريع التفكيك التي كانت حبيسة الأدراج..
اليوم ورغم كل ما شهدته البلاد من أزمات متتابعة وتعقيدات جَمة، لا يمكن بأي حال طمْس حقائق التاريخ أو المساس بجوهر الفكرة وتحويلها لحدث عابر في الوجدان أو إنكار ما حققته من مكاسب ومنجزات واسعة؛ وعلى الرغم مما شهدته الساحة اليمنية من صراعات السلطة ورمي التهم جزافاً على الوحدة، إلا أن الحقيقة الراسخة أن الوحدة لم تكن أبداً في يومٍ ما تمثّل مشكلة في حَدّ ذاتها، أو أن التشرذم أو الانفصال يمثّل حلاً بل العكس من ذلك، فإن التشرذم سيؤدي إلى مزيدٍ من الصراع والحروب ومزيدٍ من التفكُّـك والضعف..
لقد فتحت الوحدة المجال واسعاً أمام الحريات والديمقراطية وبناء مؤسسات وطنية موحَّدة، وعزَّزت حرية التنقُّل والتملُّـك والاستثمار، ووسَّعت فرص التعليم والعمل، وأسهمت في إنشاء بنية تحتية ومؤسسات دولة حديثة مقارنةً بما كان قائماً قبلها..
كما منحت فرصة لاستثمار الموارد والثروات، وأوجدت حالة من الحيوية السياسية والفكرية ارتبطت بمشروع التعدُّدية السياسية والديمقراطية والحريات العامة..
تَحقق كل ذلك في ظل سيادة واحدة وحدود مترامية حافظت على روح الفرد وكيانه ومكَّـنته من رؤية العالم ومحيطه بالصورة التي تليق..
إن الحديث عن لحظة التأسيس، يقتضي الإنصاف واستذكار الدور المحوري الذي اضطلع به الزعيم الراحل علي عبدالله صالح ورفيقه الراحل علي سالم البِيض، اللذان امتلكا شجاعة اتخاذ القرار في ظل منعطفات إقليمية ودولية شديدة التعقيد وحرب باردة مشحونة بكل التوقُّعات..
لقد تَجاوز الرجلان حسابات الانقسام والأيديولوجيا، وانتصرا لفكرة اليمن الكبير، مدفوعين بإدراكٍ عميق أن المستقبل لا يمكن أن يُبنى على التشطير والصراع الدائم..
ولذا، ستبقى تلك اللحظة علامة مضيئة في الذاكرة الجمعية والوطنية، لأنها جسَّدت قدرة القيادات على صناعة التحوُّلات الكبرى عندما تتقدم المصلحة العليا على ما عداها..
منذ ذلك اليوم جرت مِياهٌ كثيرة تحت الجسر، تَبدلت معادلات الداخل والخارج، وبرزت تحدّيات عميقة مَسَّت بنية الدولة والمجتمع معاً؛ لكن الوحدة ظلت تلك القيمة التي تستحق أن نحافظ عليها في حَدَقات أعيننا..
ما تعيشه اليمن اليوم من انقسامات وصراعات وأزمات اقتصادية وخدمية وإنسانية، يؤكد أن الحفاظ على الوحدة لا يكون بالشعارات وحدها، وإنما ببناء دولة عادلة وقادرة، يشعر فيها الجميع بالشراكة والمواطَنة المتساوية وسيادة القانون..
من هنا، فإن التحدّي الحقيقي لم يعد في الدفاع عن مبدأ الوحدة بوصفه حدثاً تاريخياً فحسب، بل في القدرة على تجديد مشروع الوحدة بروح العصر، عبْر مراجعة موضوعية للتجربة، تستفيد من الإيجابيات وتعترف بالأخطاء والاختلالات التي رافقت مراحل مختلفة من المسار السياسي.. فالدول لا تستمر بالقوة المجرَّدة، وإنما بالتوافق الوطني، والعدالة، والتنمية، وحُسْن إدارة التنوُّع، وبناء مؤسسات تحترم الإنسان وتكفل حقوقه وكرامته..
إن الأجيال الشابة اليوم لم تعد تقف عند الخطابات العاطفية أو الرمزية، بل تبحث عن دولة توفّر الأمن والخدمات وفرص العمل والتعليم والحياة الكريمة..
وهي تدرك تماماً أن استمرار التمزُّق والانقسام يعني ضياع المستقبل، وأن أي مشروع وطني جاد لا يمكن أن ينجح خارج إطار الدولة الجامعة القادرة على حماية السيادة واستعادة الاستقرار وتحقيق التنمية..
لقد أثبتت السنوات الماضية أن انهيار الدولة لا يُنـتِج حلولاً، بل يفتح الباب أمام مزيدٍ من التدخُّلات والصراعات واستنزاف المجتمع.. ولذا فإن استعادة الدولة وتجديد مشروع الوحدة الوطنية على أسس حديثة وعادلة، لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية لإنقاذ اليمن وحماية محيطه الإقليمي..
إن الوحدة اليمنية، برغم كل الجِراح، لا تزال تمثّل الإطار القادر على استيعاب الجميع، والمظلة الوطنية التي يمكن من خلالها تَجاوز الانقسامات، وإعادة بناء الثقة، وصناعة مستقبل أكثر استقراراً لليمنيين، بدلاً من الرهان على مشاريع التشظّي والتفكيك التي أثبتت التجارب أنه لا يقود إلا إلى مزيدٍ من الهشاشة والصراع..
وفي ذكرى الـ22 من مايو، ربما تكون الرسالة الأهم أن الوحدة ليست مجرد ذكرى نحتفي بها، بل مسؤولية وطنية متجدّدة، تتطلب شجاعة في المراجعة، وصدقاً في التشخيص، وإرادةً حقيقيةً لبناء دولة لكل اليمنيين، تتسع للجميع، تحفظ الكرامة والسيادة، تعيد للبلد مكانته الطبيعية، باعتباره رقماً صعباً في معادلة الأمن والاستقرار في المنطقة.
|