الشيخ/ قاسم عبدالرحمن شايف العفيفي * - ونحن نستقبل الذكرى الـ(36) لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية، يسرني أولاً أن أهنئكم وجميع هيئة تحرير الصحيفة، وأهنئ نفسي وجميع قيادات وقواعد تنظيمنا الرائد ومناصريه والقيادة السياسية والثورية، وكل جماهير شعبنا اليمني العظيم داخل الوطن وخارجه، ومن خلالكم نرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى الشيخ صادق بن أمين أبوراس -رئيس المؤتمر الشعبي العام- ونائبيه الشيخ يحيى علي الراعي والدكتور قاسم لبوزه، وإلى الإخوة في الأمانة العامة واللجنة العامة والدائمة.. ونتمنى للجميع موفور الصحة الدائمة، ولشعبنا وتنظيمنا تحقيق آماله وتطلعاته القريبة والبعيدة.. ونسأل الله العلي القدير أن نحتفي بالذكرى القادمة وقد عاد للوطن أمنه واستقراره وسيادته الكاملة على كل أراضيه وجزره ومياهه، وتَخلص شعبنا وإلى الأبد من جميع قوى الاحتلال الأجنبي وكل أجندتهم الذين عاثوا فساداً وإفساداً وتدميراً وتخريباً وقتلاً وإرهاباً وإفقاراً على مدى عقد ونيف من عمر تَدخلهم في شأننا اليمني الذي تَوَّجوه بتحالف عدواني أمريكي صهيوغربي ورجعي عربي وتَدخل عسكري في مارس 2015م، أمعن في تدمير وتخريب جميع منجزات شعبنا التي بناها بالعَرق والدم على مدى نصف قرن من الزمن، ناهيك عما ارتكبه ذلك العدوان الإجرامي الغاشم من جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية والتي لم تسلم منها صالات العزاء والأعراس والمدارس والمستشفيات والسجون والأسواق ودُور المعاقين وغيرها، وما ارتكبه من تدمير ممنهَج لكل المنشآت الاقتصادية والبنى التحتية، تَرافق ذلك العدوان الهمجي النازي مع حصار ظالم تم فرضه على شعبنا اليمني منذ بداية العدوان، ولم يزل حتى اليوم، الأمر الذي فاقم من معاناة شعبنا على مدى تلك السنوات، لكنه لم يزد شعبنا وقيادته الحكيمة وقواته المسلحه ولجانه الشعبيه إلا شجاعةً وإصراراً وعزماً وثباتاً في مواجهة تلك التحدّيات وقهْرها وإفشال ما كان يهدف إليه ذلك المخطط العدواني..
واليوم ونحن نحتفي بالعيد الوطني الـ36 لإعادة تحقيق الوحدة، فإننا نتذكر بإجلال وإكبار عَظَمة ذلك اليوم الذي أطربت له القلوب فرحاً، وخرج شعبنا في عدن وكل مناطق الجنوب يهتف ويردد الشعارات المعبّرة عن ابتهاج الجماهير بتحقيق ذلك الحُلم الذي ظل يراود أجيالاً عِدة، وذلك الهدف الكبير الذي حملته ثورة الـ26 من سبتمبر وتَحقق على الواقع سلمياً في ذلك اليوم الخالد..
لقد مثَّل يوم الـ22 من مايو 1990م علامة مضيئة في تاريخ نضال شعبنا اليمني، حققته الحركة الوطنية بعد نضال شاق ومحطات حوار عديدة بين قيادتي الشطرين، تُوّجت تلك الحوارات بإعادة تحقيق الوحدة اليمنية وطي صفحة التشطير بإعلان عدن التاريخي ظهر يوم الـ 22 من مايو 1990م من العاصمة الاقتصادية عدن من قِـبَل الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، ونائبه الراحل علي سالم البِيض -رحمة الله تغشاهما- بحضور كبار قيادات الدولة وقيادات الأحزاب والمنظمات والاتحادات ومشارَكات شعبية كبيرة..
لقد كانت إعادة تحقيق الوحدة اليمنية استباقاً لمتغيّرات كبيرة كان يشهدها العالم آنذاك، تَمثلت بانهيار وتفكُّـك الاتحاد السوفييتي واندلاع ثورات مضادة وعارمة بتمويل ودعم غربي في جميع دول المنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية وغيرها، ووصلت موجة تلك الثورات الدموية إلى أفغانستان وإثيوبيا والصومال..
سيظل الـ 22 من مايو علامة فاصلة في تاريخ ونضال الحركة الوطنية اليمنية.. وستظل الوحدة اليمنية بريئة براءة الذئب من دم ابن يعقوب مما يُنسَب إليها من شوائب وممارسات خاطئة، فهي من فعل أشخاص استغلوا مواقعهم في سلطات الدولة وقيادة الأحزاب القائمة آنذاك وتتحمل كامل المسؤولية عما لحق بمسيرة الوحدة من تَشوُّهات وممارسات خاطئة استغلتها القوى الخارجية المعادية المتربصة بالوحدة لتحريك أجندتها الداخلية وأبواقها الرخيصة والمأجورة لتشويه ذلك المنجز الوطني والقومي العربي الذي كَـبَّر له وهَـلَّل كل أحرار امتنا العربية والإسلامية وكل أحرار العالم وقواه التقدمية وجميع حركات السلام العالمية المناهضة لمشاريع العبودية والتفرقة والعنصرية التي ترعاها وتدعمها القوى الإمبريالية الصهيواستعمارية..
لقد واجهت الوحدة اليمنية ومنذ إعلانها تحدّيات ومؤامرات جَـمَّة داخلية وخارجية، وعلى سبيل المثال وليس الحصر، ما أبرزته صحيفتا "معاريف واحرونوت" الإسرائيليتين وعلى صدر صفحاتهما من عناوين بارزة فور إعلان تحقيق الوحدة اليمنية، والذي أسمته بالحُلم الخبيث للعرب الذي أحياه اليمنيون في قلوب العرب، وطالبت تلك الصحيفتين حكومات إسرائيل وأمريكا والغرب وشددت على سرعة وأد ذلك الحُلم الخبيث -على حد زعم تلك الصحف- وقبل أن يتحول إلى تهديد مباشر على أمن إسرائيل ورُعاتها الغربيين الاستعماريين وحلفائها الآخرين بحسب ما نشرته الصحف العبرية آنذاك.. وبالفعل واجهت اليمن عواصف كبيرة وتحدّيات خطيرة فور إعلان الوحدة، ومنها نشوب أزمة الخليج الأولى أغسطس 1990م، وطرد أكثر من مليون ونصف مغترب من دول الخليج وعودتهم للوطن في ظل تركة كبيرة ورثتها دولة الوحدة خاصةً وأن هناك مديونية كبيرة كانت على الشطر الجنوبي لروسيا وبعض دول أوروبا الشرقية، تجاوزت 11 ملياراً وخمسمائة مليون دولار؛ وكانت حكومات تلك الدول تطالب بسداد تلك المديونيات إضافةً إلى معالجات مشاكل التأميم الذي حصل في الجنوب للمصانع والشركات والأراضي الزراعية والمساكن في عدن وغيرها وعودة أصحابها المطالبين باستعادتها؛ وهذا ما أضاف أعباء أكبر على دولة الوحدة الوليدة.. وبرغم ما قدمته الحكومة اليمنية من معالجات آنذاك إزاء تلك القضايا إلا أن حجم التآمر الخارجي كان أكبر، ساعدته بذلك قوى سياسية وقبلية وانتهازية وتيارات إسلامية متشددة ويسارية كانت على عداء أيديولوجي مع بعضها، عملت على تنفيذ مسلسل اغتيالات وتفجيرات هنا وهناك كان هدفه تصعيد الخلافات وتفجير الموقف بين شركاء الحُكم آنذاك، مما أدى إلى اندلاع حرب صيف 1994م؛ ورغم حسْم الموقف خلال أسابيع عديدة بإفشال عملية الانفصال، إلا أن تلك الحرب تركت شروخاً وآثاراً تَعمقت مجدداً خلال الـ 15عاماً الماضية، خاصةً بعد الغزو العسكري لقوى التحالف الصهيوأمريكي عربي في مارس 2015م تحت شعارات وحُجَج وغطاء أممي ظالم للأسف الشديد.. ولا تزال تلك الحرب العدوانية الظالمة مستمرة حتى اليوم، ذهب ضحيتها مئات الآلاف من الشهداء والجرحى، وملايين المشردين في مناطق الداخل اليمني وفي الخارج، وحصار خانق تَرتب عليه أكبر كارثة إنسانية شهدها العالم بشهادة منظمات دولية..
رغم تلك التحدّيات والمعاناة القاسية التي يعانيها شعبنا في ظل اتساع رقعة الفقر وانعدام الغذاء والدواء الكافي، وانقطاع المرتبات على الموظفين لأكثر من عشر سنوات، إلا أن شعبنا وبكل قواه الوطنية الحية يقاوم ببسالة منقطعة النظير، ويُلقّن قوى العدوان الخسائر تلو الخسائر بفعل ذلك الصمود الأسطوري ومهارة وإبداع العقل اليمني الذي استطاع أن يصنع الطائرات المُسيَّرة ويطوّر من مديات الصواريخ الباليستية والفرط صوتية خلال فترة الحرب العدوانية على اليمن، وثبتت فعاليتها في قصف أهداف حيوية في العمق الإسرائيلي، وقصْف عدد من السفن والبوارج العسكرية الأمريكية والإسرائيلية في أعالي البحر الأحمر والعربي وفي المحيط الهندي وسواحل البحر المتوسط؛ مما أوجد توازن رعب لدى الطرف المعتدي جعله يصغي مؤخراً لشروط القيادة السياسية والثورية في اليمن وسرعت في إيجاد بنود لتسوية سياسية لإنهاء تلك الحرب العدوانية.. أكدت مصادر عِدة أنه تم التوافق عليها من قِـبَل قيادة التحالف العربي ووفد بلادنا المفاوض؛ نرجو أن يخرج إلى حَيّز التنفيذ قريباً وتضع الحرب أوزارها.. ويعود الوطن وأمنه واستقراره وسيادته الكاملة على ترابه الوطني..
ختاماً.. نجدّد تهانينا للجميع بحلول العيد الوطني الـ36 لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية والذي يتزامن مع قدوم فرحة عيد الأضحى المبارك.. نسأل الله أن يعيده على الجميع بالخير والعافية، وعلى شعبنا وأمتنا الإسلامية بالأمن والاستقرار والتقدم..
وكل عام وأنتم بخير.
*عضو اللجنة الدائمة الرئيسية
|