المهندس / عبدالباسط الدباء - في الثاني والعشرين من مايو من كل عام، يحتفي اليمنيون بأعظم منجزٍ سياسي واجتماعي في تاريخهم الحديث، ذكرى إعادة تحقيق الوحدة اليمنية المباركة، التي مثّلت حلماً وطنياً طال انتظاره، وتجسدت واقعاً في الثاني والعشرين من مايو عام 1990م، بقيادة الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح وبمشاركة نائبه حينها علي سالم البيض، عندما ارتفع علم الجمهورية اليمنية خفاقاً في سماء عدن، إيذاناً بميلاد وطنٍ موحد، طالما تغنى به اليمنيون وحملوه في وجدانهم جيلاً بعد جيل.
لم تكن الوحدة اليمنية حدثاً عابراً أو قراراً سياسياً مؤقتاً، بل جاءت ثمرةً لنضال طويل وتضحيات جسيمة قدّمها أبناء الشعب اليمني، واستكمالاً لأهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر المجيدتين، وتجسيداً لإرادة وطنية صادقة آمنت بأن اليمن الواحد هو الضمان الحقيقي للأمن والاستقرار والتنمية.
وقد شهد اليمن بعد تحقيق الوحدة مرحلةً سياسية جديدة، برزت فيها التعددية الحزبية، واتسعت مساحة الحرية السياسية والإعلامية، وترسخت مفاهيم الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وقبول الرأي والرأي الآخر، في تجربة كانت تمثل آنذاك نموذجاً واعداً في المنطقة.
وتأتي هذه الذكرى الوطنية اليوم، واليمن يعيش ظروفاً بالغة التعقيد، نتيجة حرب مدمرة أنهكت الإنسان والأرض، ومزقت النسيج الاجتماعي، وأدخلت البلاد في دوامة من الصراعات والانقسامات والمشاريع الضيقة التي تهدد حاضر اليمن ومستقبله.
لقد تحولت الخلافات السياسية إلى خطر حقيقي يهدد وحدة المجتمع اليمني، وساهمت حملات التحريض والإعلام الموجّه في تعميق الانقسام وتشويه الوعي الوطني، الأمر الذي جعل اليمنيين أحوج ما يكونون إلى استعادة روح الوحدة والتسامح والحوار، وتغليب مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات الشخصية والحزبية.
ورغم كل التحديات، ستظل الوحدة اليمنية مكسباً وطنياً عظيماً، يدافع عنه الأحرار من أبناء اليمن، باعتبارها الضمانة الحقيقية لبقاء الدولة والحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة، كما ستظل رمزاً لنضال شعبٍ آمن بأن قوته في وحدته، وأن مستقبله لا يمكن أن يبنى إلا بالتعايش والشراكة الوطنية.
إن ذكرى الثاني والعشرين من مايو ليست مجرد مناسبة احتفالية، بل دعوة صادقة لكل اليمنيين للعودة إلى طاولة الحوار، وإيقاف الحرب، والعمل على بناء دولة عادلة تقوم على المواطنة المتساوية، والديمقراطية، وصناديق الاقتراع، بعيداً عن مشاريع التمزق والانقسام.
هذه الأرضُ التي سرنا على
صهواتِ العزِّ فيها وأتينا
وملكنا فوقها أقدارَنا
ونواصيها فشئنا وأبينا
لن تنتهي فوقها انتصاراتُنا
إلا إذا نحن انتهينا
*عضو اللجنة الدائمة
|