الميثاق نت -

الخميس, 21-مايو-2026
إبراهيم ناصر الجرفي -
مَنْ يقرأ كتب التاريخ ومَنْ عاش فترة ما قبل الوحدة اليمنية، ومَنْ عاش أيام الوحدة وما بعد الوحدة، سوف يدرك حقيقةً لا جِدال ولا خِلاف حولها، وهي أن الشعب اليمني بكل أطيافه وتوجُّهاته لم يُجمِـع يوماً على شيء كما أجمعَ على الوحدة اليمنية، ولم تتلهف قلوب اليمنيين على شيء كما تَـلـهَّفت شوقاً وانتظاراً ليوم إعلان الوحدة في 22 مايو 1990م، ليجعلوا من ذلك اليوم عيداً وطنياً يحتفلون به كل عام بتحقيق حُلمهم الكبير الذي ظلوا ينشدونه سنوات طويلة دون كلل أو ملل، وليطووا بذلك صفحة تاريخية قاسية في حياة أبناء اليمن عاشوا خلالها حالة من الانقسام والتشظّي قسَّمت أبناء الوطن الواحد إلى شطرين شمالي وجنوبي، وصنعت الحدود بين أبناء المنطقة الواحدة والتاريخ الواحد والمصير المشترَك، في حالةٍ تعكس فَدَاحة وسلبية بعض القرارات والأفعال السياسية التي لا تعطي أي قيمة أو اهتماماً للجوانب الإنسانية والاجتماعية، والتي تقفز فوق الحقائق التاريخية والواقع الجغرافي..

وقرار تقسيم اليمن إلى شطرين كان قراراً سياسياً خارجياً استعمارياً فرضته الأحداث السياسية، ورسم معالمه وحدوده المستعمر البريطاني الذي سيطر على أجزاء واسعة من جنوب وشرق اليمن، ليجعل منها مستعمرة بريطانية ويفرض عليها سياساته وقوانينه ويفصلها عن بقية مناطق اليمن، ويصنع حدوداً فاصلة دون اعتبار للعلاقات الأسرية والاجتماعية والعادات والتقاليد المشترَكة والعمق التاريخي المشترَك، وبدون شك -وبحسب السرد التاريخي- لم ولن يكون تقسيم الوطن الواحد إلى أقسام نِتاج مطالب شعبية أو رغبة مجتمعية، بالعكس فكل الأحداث التاريخية تؤكد على تَمسُّك الشعوب بوحدتها الوطنية والقومية، وتخوض في سبيلها المعارك والحروب وتقدم من أجلها التضحيات الكبيرة، فالفعل الوحدوي مغروس في وجدان الشعوب كغريزة فطرية وحقيقة اجتماعية وتاريخية وجغرافية راسخة، وفِعل مُقدَّس لا يمكن التنازل عنه، فلم تسجّل كتب التاريخ أن شعباً ما في زمنٍ ما طالَبَ بتقسيم مجاله الحيوي والجغرافي، فهكذا فِعل هو ضَرْبٌ من الجنون وخروج عن المألوف، قد تسقط أجزاء من الوطن في يد مستعمر خارجي نتيجة ظروف قاهرة، وقد تظل تحت سيطرته لفترة زمنية معينة، لكن يظل المستعمر في حالة من عدم الاستقرار نتيجة الحراك الجماهيري والثوري المُطالِـب بخروجه؛ ويظل موضوع استعادة هذا الجزء من الوطن هاجس كل أبناء الوطن، ولا يستقر لهم قرار ولا يهنأ لهم عَـيْش حتى يتم طرد المستعمر وعودة الجزء إلى الكل..
وكم سجلت لنا كتب التاريخ من مواقف ثورية وجماهيرية عظيمة في هذا المجال، ولم تستطع أي قرارات سياسية أو استعمارية أن تقف في وجه الفعل الجماهيري والثوري، وأن تتجاوز الحقائق التاريخية والواقع الجغرافي والروابط الأخوية والأسرية والاجتماعية، وتظل مثل هذه القرارات هي الأسوأ والأكثر سلبيةً في تاريخ الشعوب، وهو ما حدث في الحالة اليمنية، فبعد أن تَمكَّـن أبناء اليمن من طرد المستعمر البريطاني.. لم يستسلموا لقرار تقسيم وتجزئة اليمن، بل جعلوا من موضوع توحيد اليمن الهدف الأعلى والأسمى في الوجدان الرسمي والشعبي، وهو ما عزَّز ورفع قيمة هذا الهدف كواحدٍ من الأهداف الرئيسية للثورات اليمنية الخالدة في شمال وجنوب اليمن (26 سبتمبر و 14 أكتوبر)، وهو ما أوجب على أنظمة الحُكم القائمة في شمال وجنوب اليمن أن تعمل بكل جهد لتحقيق هذا الهدف، حتى أن بعضها كان يفكر في تحقيق الوحدة بالقوة العسكرية، ولكن هكذا محاولات لم تنجح نتيجة التجاذبات الدولية السائدة خلال فترة الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي، حيث كان جنوب اليمن تحت المظلة السوفييتية الاستراكية، وشمال اليمن محسوب على النظام الرأسمالي، واستمرت تلك الحالة حتى انهيار الاتحاد السوفييتي في العام 1990م، لتستغل القيادة السياسية الحاكمة في شطري اليمن آنذاك تلك الفرصة السياسية والتاريخية لتعلن الوحدة اليمنية، كاستجابة للرغبة الشعبية العارمة المطالِـبة بذلك..
وما عزَّز الفعل الوحدوي في وجدان الشعب اليمني -بالإضافة للواحدية التاريخية والاجتماعية واللغوية والجغرافية والثقافية- تسخير أنظمة الحُكم في شطري اليمن للفعل التربوي والتعليمي والثقافي، لترسيخ الفعل الوحدوي في وجدان الأجيال اليمنية كواجب مُقدَّس، يجب بذْل كل الجهود وتسخير كل الإمكانيات لتحقيقه على أرض الواقع، وقد نال الشعب اليمني في شمال وجنوب اليمن مراده وحقق الحُلم المنشود وارتفعت راية الوحدة اليمنية خَفَّاقة في 22 مايو 1990م.. وفي وقتٍ قياسي عاش الشعب اليمني حالة من الاندماج والتفاعل الإيجابي في كل المجالات ما عدا المجال السياسي الواقع تحت تأثير المصالح السياسية والتدخُّلات الخارجية، فبعض الجهات والأطراف السياسية شعرت بحالة من التهميش السياسي، وبدأت تعلن تَململها من الواقع السياسي الذي أفرزه النظام الديمقراطي الذي تم التوافق عليه ليكون نظاماً لحُكم اليمن الموحَّد، فنتائج أول انتخابات ديمقراطية في ظل التعدُّدية السياسية لم تكن عند المستوى الذي كانت تطمح إليه بعض القوى والأحزاب والجهات وفي مقدمتها الحزب الاشتراكي اليمني الذي كان يحكم جنوب اليمن قبل الوحدة، والذي دخل الوحدة كشريكٍ في السلطة والحُكم، ليجد نفسه بعد الانتخابات لم يحقق سوى 20% من مقاعد البرلمان، وهو ما دفع قياداته لاستغلال الفعل السياسي لزعزعة الوحدة اليمنية، ونتيجة بروز الخلاف داخل الصف الوحدوي اليمني ظهرت أطراف إقليمية ودولية كانت ترى في الوحدة اليمنية فِعلاً سياسياً يتعارض مع مصالحها في المنطقة، لتفتح قنوات تَواصُل مع قيادة الحزب الاشتراكي اليمني، وهو ما شجَّع هذه القيادة لإعلان الانفصال في 1994م، والتي تَرتَّب عليها حالة من الحرب استمرت قرابة شهرين، لتنتصر الشرعية الوحدوية المدعومة من كل أبناء الشعب في كل مناطق اليمن..

وخسر الفعل السياسي الانفصالي السلبي هذه المعركة، وانتصر الفعل الوحدوي المدعوم من الإرادة الجماهيرية الوحدوية، ورغم ذلك استمر الفعل السياسي السلبي المحكوم بمصالح سياسية وسلطوية والمدعوم من قوى خارجية في التحرُّك ضد الوحدة اليمنية، تحت مبرّرات المظلومية الجنوبية واستعادة حقوق أبناء الجنوب، عن طريق إثارة الدعوات المناطقية والانفصالية.. وكان لنكبة الربيع العربي في 2011م -والتي تَرتَّب عليها قيام الحرب في 2015م نتيجة تدخل بعض القوى الاقليمية في الشأن اليمني- الدور الكبير في تقوية وتعزيز موقف القائمين على الفعل السياسي الانفصالي؛ والشاهد من كل ذلك أن العدو الأول للوحدة اليمنية هو الفعل السياسي المدفوع بالمصالح السياسية والسلطوية، والمدعوم من قوى خارجية لها مصالحها في المنطقة.. كما أن هناك حقيقة قائمة وهي أن الوحدة اليمنية رغم المؤامرات التي تَـعرضت لها، ورغم محاولات تشويهها، إلا أن مكانتها لا تزال كبيرة في وجدان الكثير من أبناء الشعب اليمني وخصوصاً تلك الأجيال التي عاشت مراحل الحُلم الوحدوي، ونشأت في فترة ترسيخ الثقافة الوحدوية، وبذلك فإن ما تتعرض له الوحدة اليمنية من اهتزازات وارتدادات سلبية هو نتيجة الفعل السياسى الانفصالي السلبي، الذي لا يرى الداعمون له مانعاً من إنهاء الفعل الوحدوي في سبيل تحقيقهم بعض المصالح السياسية والأطماع السلطوية.. وسيظل سِر صمود وبقاء الوحدة اليمنية هو مكانتها الكبيرة في وجدان الشعب اليمني؛ فحتى الكثير من الذين تم التغرير عليهم وانخرطوا ضمن صفوف الفعل السياسي الانفصالي السلبي، لا يعلنون العداء للوحدة كمفهوم وهدف، ولكنهم يبرّرون موقفهم ذلك بدعوى المظلومية، وهي الشمَّاعة التي تم من خلالها استدعاء النزعة المناطقية والانفصالية لدى البعض.. وفي اعتقادي أن الحضور الكبير للفعل الوحدوي في الوجدان والفكر الشعبي الجَمعي المتراكم عبر السنوات هو القوة التي ستقف في وجه دُعاة الفعل السياسي السلبي الانفصالي في كل الأوقات بإذن الله.. وفي حقيقة الأمر لا توجد أي مظلومية مهما كانت يمكن أن تبرّر الوقوف في وجه هدف عظيم وسامٍ كالوحدة الوطنية، لكنها السياسة والمصالح والأطماع السلطوية التي قد تدفع بالبعض للوقوف ضد الوحدة الوطنية التي تحقق الشعوب من خلالها العِزة والكرامة والسيادة.

الوحدة اليمنية.. إنجاز تاريخي متجدّد في قلب الأمة
تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 03-نوفمبر-2026 الساعة: 08:43 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68904.htm