الميثاق نت -

الإثنين, 18-مايو-2026
د. عبدالعزيز محمد الشعيبي -
يطل علينا العيد السادس والثلاثون للوحدة اليمنية المظفرة، وذكرى ذلك اليوم الأغر في الثاني والعشرين من مايو 1990م، ليعيد إلى الأذهان أعظم تَحول تاريخي شهدته الجغرافيا والإنسان في اليمن المعاصر.. إن هذا المنجز لم يكن وليد "صدفة سياسية" أو لحظة عابرة، بل كان ثمرة نضال مرير خاضته أجيال من الأحرار، وتتويجاً لإرادة شعب رفض التجزئة رغم كل خطوط التماس المصطنعة..

لقد قامت الوحدة اليمنية كأعظم منجز تاريخي يتحقق لليمن، ولم يكن هذا الإنجاز وليد لحظة مفاجئة في الزمن، بل امتد عبر سنوات طويلة ونضال دؤوب من قِـبَل النخب السياسية وكل فئات الشعب اليمني لنيل هذا الاستحقاق الوطني.. وإنْ كانت ظروف إعادة تحقيق الوحدة اليمنية مواتية في لحظة تاريخية محددة، إلا أن ثمّة معوقات وصعوبات كثيرة اعترضت الطريق، وتتمثل هذه المعوقات في عوامل خارجية وأخرى داخلية.. ومع ذلك، لم يمنع كل ذلك العمل على طريق إعادة تحقيق الوحدة، وظلت الوحدة هي الشعار المرفوع في الشطرين، بل إن كل نظام سياسي كان يعتمد على الوحدة كجزء من مشروعيته..

أولاً: الوحدة كأعظم منجز

لم تكن الوحدة مجرد توقيع اتفاقية بين نظامين (الشمال والجنوب)، بل كانت تجسيداً للهوية اليمنية الواحدة التي ظلت حية في وجدان النخب الثقافية والسياسية والجماهير العريضة.. ولمشروعية المشروع، اتخذ النظامان في الشمال والجنوب من "الوحدة" مصدراً أساسياً لشرعيتهما السياسية، مما جعلها الهدف الأسمى الذي لا يمكن التنازل عنه مهما بلغت التباينات الأيديولوجية..

وبرغم كل التحدّيات، ظلت الوحدة اليمنية حُلماً جامعاً لكل اليمنيين، حيث تَبناها جميع الأطراف كجزء من مشروعية أنظمتهم السياسية.. وقد أثبتت الوحدة أنها قضية وطنية عابرة للانقسامات، حيث ظل الشعار الأبرز هو "الوحدة" حتى في أحلك الظروف، مما يدل على قوة الفكرة وجذورها في الضمير اليمني.. وبرغم الحروب الشطرية السابقة (1972 و1979م)، ظل الحوار الوحدوي هو الخيط الذي يربط صنعاء بعدن، وصولاً إلى اللحظة التاريخية التي ارتفع فيها عَلَم الجمهورية اليمنية في سماء عدن الباسلة..


ثانياً: المعوقات الخارجية أمام إعادة تحقيق الوحدة واستمرارها

لقد واجهت الوحدة اليمنية منذ ما قبل قيامها وحتى اليوم تدخُّلات خارجية جسيمة، تَمثلت في الآتي:

1. التوجُّس الإقليمي ودور السعودية:
تاريخياً، نظرت قوى إقليمية، وفي مقدمتها السعودية، إلى اليمن الموحَّد كقوة بشرية وجيوسياسية صاعدة قد تكسر موازين القوى في المنطقة، مما دفعها لمحاولة احتواء هذا المنجز أو إضعافه.. لقد لعبت السعودية دوراً كبيراً في عرقلة مسار الوحدة اليمنية، فقد رأت أن قيام دولة يمنية موحَّدة وقوية قد يشكّـل تحدّياً لنفوذها في المنطقة، خاصةً مع تطلُّع اليمن لتحقيق استقلالية قراره السياسي، مما يهدّد مصالح هذه الدول الجيوسياسية..

2. التدخُّلات الدولية وتوازنات الحرب الباردة:
عانت الوحدة قبل قيامها من تجاذبات القوى الدولية؛ حيث أرادها الاتحاد السوفييتي سابقاً اشتراكية الهوى، وكان يدعم النظام الاشتراكي في جنوب اليمن، مفضّلاً بقاء الجنوب كياناً منفصلاً يحكمه نظام موالٍ له ليبقى حليفاً استراتيجياً.. في المقابل، كانت الولايات المتحدة تدعم الشمال اليمني كحاجز ضد المد الشيوعي، مما جعل الوحدة محكومة بموازين القوى الدولية حتى لحظة سقوط أو تَفكُّـك الاتحاد السوفييتي.. وقد خلق هذا التنافس الدولي بيئة أعاقت إعادة تحقيق الوحدة إلا وفق حسابات مصلحية ضيّقة..

3. استمرار التدخُّلات بعد الوحدة:
لا يمكن فهم الأوضاع الحالية في اليمن بمعزل عن هذه المتغيّرات الإقليمية الخطيرة؛ فمنذ اندلاع الحرب في غزة وامتداد التوتُّر إلى البحر الأحمر، دخلت اليمن في دوامة جديدة من العنف، والمنطقة بأسرها تشهد حالة تصعيد غير مسبوقة واصطدامات بين القوى الكبرى، مما يجعل اليمن ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية..


ثالثاً: المعوقات الداخلية التي واجهت وتواجه الوحدة

لم تكن التحدّيات الخارجية وحدها هي العائق، بل ساهمت عوامل داخلية عميقة في مسار الوحدة:

1. الاختلاف الأيديولوجي بين الشمال والجنوب:
كان الصدام بين المرجعية القبلية/الإسلامية في الشمال، والنهج اليساري الاشتراكي في الجنوب، تحدّياً بنيوياً في هوية الدولتين؛ فالنظام في الشمال كان يعتمد على المرجعية الإسلامية والتقاليد القبلية، بينما كان النظام في الجنوب يسارياً اشتراكياً، مما خلق تناقضات سياسية واجتماعية صعبة، وصراعاً حول هوية الدولة الموحَّدة..

2. دور القبائل والنخب السياسية:
رأت النخب القبلية والمصالح الضيّقة في الدولة المركزية القوية تهديداً لنفوذها، مما خلق مقاومة داخلية لعملية الاندماج الوطني الحقيقي؛ بل إن بعض النخب كانت تفضّل التعامل مع القوى الخارجية لضمان بقائها في السلطة، ورأت في الدولة المركزية الموحَّدة تهديداً لنفوذها التقليدي..

3. التحدّيات الاقتصادية:
كان التفاوت الاقتصادي بين الشطرين واضحاً، حيث اعتمد الجنوب على نظام اقتصادي مركزي، بينما كان الشمال أكثر انفتاحاً.. وقد خلق هذا صعوبات وتعقيدات كبيرة في عملية الاندماج الاقتصادي، وساهم لاحقاً في تأجيج المشاعر الانفصالية غذَّته اطراف داخلية وخارجية، وفي زيادة الاحتقان الاجتماعي..


رابعاً: التحدّيات الراهنة التي تهدّد صمود المنجز

اليوم، وفي عيدها السادس والثلاثين، تواجه الوحدة اليمنية تحدّيات جديدة ومتجذّرة، أبرزها:

1. التدخُّلات الخارجية المستمرة، خاصةً في ظل الحرب الحالية والعدوان على اليمن، واستمرار بعض الدول في دعم الكيانات المنفصلة..
2. الانقسامات السياسية والمذهبية التي تغذّيها بعض الأطراف الداخلية والخارجية، مما يعمّق الشرخ الوطني..
3. الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تزيد من معاناة المواطن اليمني وتغذّي خطاب اليأس والانفصال..
4. تَصاعد الخطاب الانفصالي لدى البعض، والذي يستغل ظروف الحرب والضعف الحكومي لتمرير أجندة مشبوهة..
5. غياب العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة، مما جعل الكثيرين يشعرون بأن الوحدة لم تحقق طموحاتهم..


خامساً: الوحدة كغاية عُليا.. مقتضيات المستقبل

إن الخروج من النفق المظلم الذي تمر به اليمن يتطلب من الفرقاء السياسيين العودة إلى "روح مايو 1990م"، مع الاستفادة من أخطاء الماضي.. فلو أن الفرقاء في اليمن اهتموا برفع شعار الوحدة والتمسُّك بها كهدف وغاية عُليا لا يجب الحياد عنها، لَـكان ذلك قاسماً مشترَكاً مهماً لتوحيد الصف الوطني مجدَّداً على قضية هي من أسمى وأعظم القضايا اليمنية.. بناءً على ذلك، فإن مقتضيات المستقبل تقتضي:

· التمسُّك بالوحدة كهدف وطني وخط أحمر: جعل الوحدة قاعدة للانطلاق نحو أي تسوية سياسية شاملة، وأي حل خارج إطارها هو مجرد وهْم..
· إصلاح المسار: الوحدة لا تعني الهيمنة، بل تعني الشراكة العادلة في الثروة والسلطة، وبناء دولة النظام والقانون التي تستوعب الجميع دون تمييز..
· توحيد الصف الوطني: التخلّي عن الولاءات الضيّقة والمشاريع المذهبية والمناطقية لصالح المشروع الوطني الكبير..
· معالجة جذور الأزمة: وفي مقدمتها بناء اقتصاد وطني متوازن، وإعادة توزيع الثروة بعدالة، ومواجهة الفساد الذي كان أحد أسباب انهيار الثقة بالوحدة..

وأخيراً.. يمكن القول إن الوحدة ليست خَياراً بل مصيراً..

في هذا العيد السادس والثلاثين، نقف أمام لحظة مصيرية: إما أن تظل الوحدة اليمنية مجرد ذكرى في كتب التاريخ تُروى للأطفال، أو أن نستثمرها كنواة لبناء يمنٍ جديد يسوده السلام والأمن والتنمية.. الطريق طويل وشاق، لكنه ليس مستحيلاً، إذا توفَّرت الإرادة الحقيقية لدى جميع الأطراف وجهود صادقة تتجاوز المصالح الضيّقة نحو استقرار اليمن والمنطقة بأسرها..

الوحدة اليمنية لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت نِتاج كفاح طويل وتضحيات جِسام.. ورغم كل المعوقات، تبقى الوحدة هي الحل الوحيد لضمان مستقبل اليمن.. على النخب السياسية والفصائل اليمنية اليوم أن تدرك أن التمسُّك بالوحدة هو الضامن لإنهاء الصراعات وبناء دولة يمنية حديثة ومزدهرة.. فالوحدة ليست خَياراً، بل هي مصير الشعب اليمني الذي لا بد أن يعود إلى الاصطفاف حول هذا المنجز التاريخي.. إنها ليست شعاراً للماضي، بل هي أمل المستقبل لكل يمني يريد لوطنه عِزةً واستقراراً..

كل عام واليمن -أرضاً وإنساناً- واحداً تحت راية الوحدة والحرية.

تمت طباعة الخبر في: الأربعاء, 04-نوفمبر-2026 الساعة: 07:35 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68870.htm