الميثاق نت -

الإثنين, 18-مايو-2026
السفير/ أحمد لقمان -
حين تمر الدول بأزمات سياسية عميقة، أو نزاعات داخلية، أو انقسامات اجتماعية حادة، يصبح الحديث عن الاستقرار مجرد أمنيات، ما لم يُبنَ على قاعدة صلبة من الشراكة الوطنية الحقيقية.. فالدول لا تستعيد عافيتها بالقوة وحدها، ولا عبر الإقصاء السياسي، ولا من خلال احتكار القرار من طرف واحد، بل عبر مشروع وطني جامع يشعر فيه الجميع بأنهم شركاء في الوطن والمسؤولية والمصير..
لقد أثبت التاريخ السياسي الحديث أن الدول التي حاولت فرض الاستقرار بالقوة فقط، حققت هدوءًا مؤقتًا، لكنه سرعان ما انهار أمام تَراكم المظالم وغياب العدالة.. بينما استطاعت دول أخرى تَجاوز ماضيها المؤلم عندما اختارت طريق المصالحة والتوافق وبناء الثقة بين مكوّناتها المختلفة، كما حدث في South Africa بعد نهاية نظام الفصل العنصري، وفي Rwanda بعد المأساة الإنسانية التي عاشتها..
إن أول قاعدة في أي شراكة وطنية ناجحة هي الاعتراف بالتنوُّع واحترام التعددية.. فالمجتمعات بطبيعتها متعددة في انتماءاتها الثقافية والسياسية والاجتماعية، ومحاولة صهر الجميع في قالب واحد بالقوة لا تؤدي إلا إلى الانفجار.. الاعتراف بالتنوُّع لا يهدّد الدولة، بل يعزّز وحدتها عندما يشعر الجميع بأنهم ممثلون وشركاء حقيقيون في الوطن..
أما القاعدة الثانية فهي سيادة القانون، إذ لا يمكن بناء استقرار دائم في ظل قانون يُطبَّق على الضعفاء فقط، بينما يتمتع الأقوياء بالحصانة.. العدالة المتساوية بين المواطنين تخلق الثقة في مؤسسات الدولة، وتجعل الناس أكثر استعدادًا للدفاع عنها بدلًا من التمرُّد عليها..
وتأتي بعد ذلك العدالة في توزيع السلطة والثروة، إذ إن كثيرًا من الصراعات تنشأ عندما يتركز القرار السياسي والموارد الاقتصادية في أيدي نخبة ضيّقة، بينما تشعر فئات ومناطق واسعة بالتهميش والإقصاء..
إن تحقيق التنمية المتوازنة، وتكافؤ الفرص، وضمان المشارَكة العادلة في صناعة القرار، تمثّل جميعها ركائز أساسية لحماية الاستقرار وتعزيز الثقة بين الدولة ومواطنيها..
ولا يمكن تجاهل أهمية الحوار الوطني المستمر باعتباره الوسيلة الحضارية لإدارة الخلافات.. فالحوار لا يعني ضعف الدولة، بل يعكس نضجها السياسي وقدرتها على استيعاب الجميع.. وكلما أُغلقت أبواب الحوار، فُتحت أبواب الصراع..
كما أن نبذ العنف وحصر السلاح بيد الدولة يمثّل شرطًا أساسيًا لقيام أي شراكة وطنية.. فلا يمكن بناء دولة مستقرة في ظل جماعات مسلحة متعدّدة الولاءات، أو في ظل منطق القوة الذي يتجاوز القانون والمؤسسات..
وفي المجتمعات الخارجة من الحروب أو النزاعات، تصبح المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية ضرورة لا خَيارًا.. تَجاهُل جِراح الماضي لا يعني اختفاءها، بل قد يجعلها أكثر خطورة في المستقبل.. لذلك فإن كشْف الحقائق، وتعويض الضحايا، وتحقيق العدالة، هي خطوات أساسية نحو السلام المجتمعي..
ولا يقل خطر الفساد عن خطر الصراع السياسي، لأن الفساد ينهك مؤسسات الدولة، ويُفـقِد المواطن ثقته في النظام السياسي.. لذلك فإن الشفافية والمساءلة يجب أن تكونا جزءًا من أي مشروع وطني للإصلاح والاستقرار..
وفي النهاية، تحتاج الدول إلى بناء هوية وطنية جامعة تتجاوز الولاءات الضيّقة، وتضع مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية أو الفئوية أو المناطقية.. فحين يشعر المواطن بأن انتماءه للوطن يضمن له الكرامة والحقوق والفرص، يصبح أكثر حرصًا على أمنه واستقراره..
إن الاستقرار الحقيقي ليس غياب الضجيج السياسي، بل وجود نظام عادل يستطيع إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى صراع.. والشراكة الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل عَقْداً سياسياً وأخلاقياً بين أبناء الوطن الواحد..
فحين يدرك الجميع أن الوطن يتسع للجميع، وأن لا منتصر دائمًا ولا مهزوم دائمًا داخل الدولة الواحدة، تبدأ رحلة التعافي الحقيقي، وتعود السكينة إلى المجتمعات التي أنهكتها الصراعات.
تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 03-نوفمبر-2026 الساعة: 06:20 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68864.htm