استطلاع/ عبدالرحمن الشيباني - هجرة العقول والأدمغة اليمنية ليست وليدة اللحظة، بل بفعل تراكمات كبيرة أدت إلى هذا النزيف الذي نشهده، وولَّد حالة من الإحباط، وهي نتيجة طبيعية لما آلت إليه الأوضاع المعيشية والظروف الاقتصادية الصعبة التي تعانيها بلادنا، فلم تعد البيئة ملائمة لتحقيق مستوى معيشي جيد، الأمر الذي حَدا بهذه العقول إلى الهروب للخارج وحرم البلاد من الاستفادة من خبرات أبنائها الذين دفعت الدولة أموالاً طائلة لدراستهم بالخارج، قبل أن يقرّر معظمهم العودة لتلك البلدان أو غيرها للاستقرار فيها والبدء بحياة جديدة في بلد الاغتراب بعد أن ضاق وطنهم بهم.. وتشير الإحصاءات إلى أن نحو 30 ألف شخص من حَمَلَة المؤهلات الجامعية وحَمَلَة الشهادات العليا والمعاهد المتوسطة يعملون في دول الجوار وبعض الدول الأخرى..
إن استمرار هذا النزيف البشري تهديد وجودي وخيانة كبرى للمستقبل، كما قال أحد الذين استضافتهم "الميثاق" في هذا الاستطلاع المخصص لهجرة الأدمغة البشرية اليمنية خارج الحدود: يُقدر عدد اليمنيين بالخارج بـ 7 ملايين، منهم نحو 2 مليون في السعودية، ونحو "70_80" ألفاً في المملكة المتحدة..
ورصدت تقارير الهجرة الدولية أن أكثر من 5000 كادر يمني نوعي (طبيب، مهندس، مدرس) في سنوات الحرب، إلى جانب عشرات الآلاف من حَمَلَة الشهادات العليا غادروا،
وانخفض عدد المتخصصين في اليمن بالمجال الطبي إلى حوالي 10 آلاف متخصص فقط، مع وصول العجز في بعض التخصصات الطبية النوعية إلى 50% بسبب الهجرة..
وتشير دراسات (2024م) إلى أن 91% من الباحثين العرب (والعقول اليمنية ضمنهم) لديهم رغبة في الهجرة، خاصةً إلى أوروبا وأمريكا الشمالية..
كما سجلت مفوضية شؤون اللاجئين UNHCR (م2023) توجُّه أكثر من 7,658 يمنياً لطلب اللجوء، بشكل أساسي في هولندا، ألمانيا، واليونان.. ولا يقتصر هذا على اليمن ولكن الدول العربية أيضاً تعاني من هذا النزيف.. منظمة العمل العربية تقول إن هناك أكثر من 450 ألفاً من حَمَلَة الشهادات العليا العرب هاجروا إلى أمريكا وأوربا خلال السنوات الـ12 الأخيرة، وإن أكثر من نصف الطلاب العرب الذين يتلقون دراساتهم العليا في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم بعد التخرُّج؛ كما أن 70 في المائة من العلماء الذين يسافرون للتخصّص لا يعودون إلى بلدانهم..
جدلية الاغتراب
الدكتورة أمل اليوسفي، تشير إلى أن هجرة الكفاءات اليمنية ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل هي نزيف استراتيجي يهدّد مستقبل الدولة اليمنية ككيان ومجتمع، وتصفها بأنها حالة هجرة قسرية فرضتها ظروف قاهرة، حيث تحولت الكفاءات من أصول تنموية إلى لاجئين بحثاً عن الحد الأدنى من البقاء..
وتلخّص الدكتورة أمل اليوسفي الأسباب المؤدّية لهذا الواقع الذي تسمّيه بالمؤلم ويدفع العقول للهجرة؛ حيث تتضافر مجموعة من العوامل القسرية التي تجعل البقاء في الداخل مغامرة غير محسوبة، وأبرزها كما تقول، انهيار منظومة الأمان الشامل متمثّلاً بغياب الأمان الوظيفي، والأمن المعيشي، والأمن الغذائي والخدمي، مع انعدام الحقوق المعنوية والمادية التي تضمن للمواطن حياة كريمة مستقرة؛ وتردّي البنية التحتية والخدمات، وانهيار تام في قطاعات الصحة، التعليم، الكهرباء، وشبكات الطرق الآمنة والصرف الصحي، مما يجعل البيئة العامة غير صالحة للعيش الكريم أو الإبداع.. وتنوّه اليوسفي إلى أن المناخ الأمني والسياسي المسموم في اليمن وسيطرة حالة من التوجُّس بسبب المخاوف الأمنية، والمكايدات السياسية، وتلفيق التهم التنميطية التي تُستخدم كأداة لتصفية الحسابات، وسوء الإدارة والفساد البيروقراطي لدى البعض، وتَحوُّل السلطة الوظيفية إلى أداة لابتزاز الزملاء والإضرار بهم، كل ذلك خلق بيئة عمل طاردة للكفاءات النزيهة..
مخاطر الهجرة
الآثار المترتّبة على الواقع اليمني التعليمي من فقدان العقول الأكاديمية والبحثية يؤدي إلى تجريف المؤسسات التعليمية والبحثية من الخبرات، مما يسهم في تراجع جودة المخرَجات التعليمية وتفكيك البناء المعرفي للأجيال القادمة.. وهذا ينعكس على الواقع الاقتصادي من خلال الهجرة وهي تعني خسارة رأس المال البشري الذي يستثمر في الابتكار والإنتاج.. ما يؤدي إلى شلل في عجلة التنمية وتزايد الاعتماد على المساعدات الخارجية بدلاً من الإنتاج المحلي..
وعلى الواقع الخدمي فإن غياب الكوادر التخصصية (أكاديميين، مهندسين، أطباء، إداريين) أدى إلى تعطُّل المرافق الحيوية، وتدنّي مستوى الخدمات العامة، مما ضاعف معاناة المواطنين البسطاء.. كما أن اتساع رقعة الفقر بشكل مريع، التي وصلت للكادر التربوي والأكاديمي مع سلبهم حقوقهم ورواتبهم، أدى إلى هذا الوضع المتردّي..
حلول ومعالجات
تضع الدكتورة أمل، بعض الحلول المقترَحة للحد من ظاهرة هذا النزيف، وتبدأ برؤية إصلاحية شاملة ترتكز على محورين:
1. إجراءات عاجلة (إسعافية): توفير الرواتب وكافة الحقوق..
توفير الحماية القانونية: سَنّ قوانين صارمة تحمي الموظف من التعسُّف الإداري، المكايدات، وتلفيق التهم، وضمان استقلالية المؤسسات عن الولاءات السياسية..
تحسين الحد الأدنى للمعيشة: ربط الأجور بمعدلات التضخُّم، وتوفير شبكة أمان اجتماعي تضمن الغذاء والصحة والتعليم والخدمات الأساسية للكفاءات وعائلاتهم..
2. إجراءات استراتيجية (هيكلية):
إصلاح مؤسسي: إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة لا الولاء، ومحاربة الفساد البيروقراطي الذي يستخدم السلطة الوظيفية للأذى..
خلق بيئة حاضنة للابتكار: تخصيص صناديق دعم للمشاريع البحثية والتقنية لجذب الكفاءات، والعمل على استعادة الثقة بين المواطن والدولة..
تفعيل دبلوماسية العقول: في حال تَعذُّر العودة الفورية، يجب بناء جسور تَواصُل مع الكفاءات المهاجرة للمساهمة في التنمية عن بُـعد (تحويل الهجرة إلى استثمار من خلال نقل المعرفة والخبرات)..
وتخلص الدكتورة أمل إلى أن الحفاظ على الكفاءات في اليمن لا يتم بالوعظ الوطني، بل بإعادة بناء "الدولة الحاضنة" التي تحمي كرامة الفرد، وتضمن له أمنه الوظيفي والمعيشي، وتوفّر له البيئة التي تسمح له بالتفكير في بناء وطنه بدلاً من التفكير في النجاة بنفسه..
تَراجُع حضاري
الصحفي صلاح حيدرة، يرى أن هجرة الكفاءات اليمنية تمثّل نزيفاً وجودياً يتجاوز مجرد رحيل أفراد بحثاً عن لقمة العيش إلى كونه كارثة بنيوية تقوّض أعمدة الدولة وتدفع بالبلاد نحو دائرة مفرَغة من التخلُّف الحضاري والتنموي.. ويشدّد على أن تداعيات الحرب المستمرة منذ عَقد أسهمت في تفاقم الوضع المعيشي وغياب التأمين الصحي والرعاية وضياع الحقوق نتيجة ثغرات قانون العمل وشلل العمل النقابي، الذي أدى إلى جعل البيئة المحلية طاردة للعقول التي وجدت في الأسواق الخارجية ملاذاً وتقديراً..
ووصف حيدرة أن الفاتورة الباهظة التي يتكبدها اليمن في قطاع الصحة خير دليل على عمق المأساة؛ قائلاً: تُهدَر ملايين الدولارات من العملة الصعبة في رحلات علاجية خارجية كان من الممكن توطينها وتحويل اليمن إلى واجهة طبية إقليمية لو استثمرت الدولة في كادرها الطبي المهاجر وخريجي البعثات القادرين على سد هذه الثغرة بكفاءة واقتدار..
وأضاف: إن مواجهة هذا النزيف تبدأ بكسر حالة اللامبالاة الحكومية عبر نشر تقارير صحفية استقصائية تكشف حجم الخسائر البشرية والمادية ووضعها أمام صانع القرار لسَنّ تشريعات ضامنة للحقوق ومحفّزة للاستثمار، تضمن توظيف هذه القدرات ضمن استراتيجية وطنية شاملة، إذ إن استمرار هذا التجاهل الرسمي للأصول البشرية لا يمكن وصفه إلا بخيانة وطنية للمستقبل ستجعل البلاد عالقة في ذيل قائمة الأمم لسنوات طويلة..
نخب متصارعة
من جانبه يناقش الدكتور عبدالكريم الشيباني، مسألة هروب الأدمغة اليمنية ويردها إلى الجانب الاقتصادي الذي دفع بهذه العقول إلى الهجرة كنتيجة حتمية للحرب التي كانت إحدى نتائجها الكارثية تردّي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للمواطن اليمني.. واصفاً إياها بالمدمّرة..
وأضاف الشيباني: لقد مزَّقت الحرب الجغرافيا اليمنية، وتوالت الأزمات والصراعات السياسية بين النخب السياسية والمكوّنات العسكرية القبلية، نتيجة انجرارها للخارج ورهنها لمستقبل البلد بدون أي حس وطني والتزام أخلاقي..
وقال: لقد انتهت الطبقة الوسطى في المجتمع اليمني المعول عليها نهضة الوطن بسبب انقطاع الرواتب التي كانت أحد أسباب خروج الكفاءات اليمنية للعمل بحثاً عن حياة معيشية كريمة.. وكما يقال "كرامة المواطن تبدأ من قدرته على شراء قوته اليومي دون إذلال".. نحن امام مفارقة عجيبة.. إننا أمام الماضي الذي لا يريد أن يذهب، وحاضر لا يريد أن يأتي..
وعاد الشيباني بنوعٍ من الحميمية بالقول: لا ندري كيف تَسرَّب الزمن الجميل من بين أيدينا، وأصبح الجميع يفكر في الهجرة بحثاً عن حياة معيشية كريمة..
وتساءل قائلاً: متى تستفيق النخب السياسية والمكونات المتصارعة وتتوافق وفق القواسم المشترَكة والمصلحة العليا للوطن اليمني، وتُغلَّب مصلحة الوطن على المصالح الضيّقة؟!
أسئلة الهجرة
الدكتور محمد الكميم، يشير إلى أن الهجرة من الأوطان هي مشكلة اجتماعية، لا تقتصر علينا وحدنا في اليمن، ولكنها ظاهرة تعم كثيراً من بلدان العالم، وبلدان العالم الثالث بالتحديد، غير أننا نجدها في كثير من بلداننا العربية، وفي اليمن على وجه الخصوص، أكثر اتساعاً وأعظم انتشاراً وأشد تفاقماً.. ويرى أن هناك دوافع للهجرة إلى الخارج، تُرد إلى واحد أو اثنين أو ثلاثة من الأسباب التي يمكن حصر مجموعها في العوامل الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية أو العلمية أو البيئية أو الصحية أو النفسية، فإنها في اليمن تُرد إلى معظم هذه العوامل، إذا لم أقل إليها كلها؛ لذلك يمكن القول إنها عندنا ظاهرة قديمة تاريخياً ومتزايدة حاضراً؛ نظراً لعدم معالجة ما كان موجوداً في الماضي من تلك العوامل، ولظهور عوامل أخرى انضافت إلى السابقة؛ الأمر الذي جعل اليمن عبر التاريخ خزاناً بشرياً دائم الانفجار على البلدان المحيطة به وعلى البلدان الأكثر بُـعداً عنه..
ويضيف الكميم: إن بقاء تلك العوامل وتضاعفها في واقعنا الراهن دون العمل على معالجتها والحد منها، يجعلني أرى استمرار هجرة اليمني من وطنه أمراً طبيعياً، إذا لم أقل ضرورياً له، سواءً أكان كفؤاً أم غير كفء..
ضرورة الوعي
الإنسان بطبعه نزَّاع إلى البحث عن مَواطِن الأمان والاستقرار المادي أو الروحي.. الكميم يقول في هذا الصدد: إن استمرار نزيف هجرة الكفاءات والعقول، سيبطئ من حركة عجلة النمو والتطوُّر والتغيير على كل المستويات، وسيجعل أي عملية للإصلاح أو التغيير عشوائية، هذا إذا لم أقل فوضوية أو تدميرية؛ لأنها ستكون عمليات غير واعية وغير مدروسة، وستتجه إلى خدمة أفراد أو جماعات أو طوائف أكثر من اتجاهها إلى خدمة الوطن والمواطنين اليمنيين كلهم؛ الأمر الذي سيؤول إلى بقاء الوضع على ما هو عليه، بل قد يؤدي إلى التراجع أكثر وإلى ما هو أسوأ من الوضع القائم..
وعن الحلول الممكنة يقول الكميم: قد يكون من الصعب اقتراح حلول للحد من هذه الظاهرة إذا لم يحدث تغيير في الوعي الفردي والجمعي للإنسان اليمني وفي الواقع المعيش؛ فالوعي الفردي والجمعي ما زال إلى اليوم ينتظر الحلول من النخب الحاكمة أو الفاعلة في المجتمع، بالرغم من إدراكه أن هذه النخب -غالباً- هي السبب في استمرار أزماته؛ لذا يمكن استغلال الممكن والمتاح من وسائل الإعلام والتواصل والمؤسسات التعليمية والثقافية في تغيير الوعي الفردي والجمعي لكل يمني، مهاجراً كان أو ما يزال قابعاً في جحيم الداخل..
غرس الوطنية
التغيير الذي أقصده هنا يبدأ من تعزيز قيمة الإنسان اليمني وإيمانه بذاته وبقدرته على إحداث التغيير، ومن إعلاء الروح الوطنية داخل كل فرد، ومن غرس قِـيَم الواجب والعمل، والتحلّي بالمسؤولية تجاه الوطن والمجتمع.. وضرورة خلْق ثقافة جامعة لكل اليمنيين يشعرون معها بضرورة الانتماء إليها وبضرورة حمايتها؛ فإذا ما تَصدَّرت هذه كلها إلى عقل كل يمني وروحه، وإذا ما آمن بها، سنجد اليمني -أينما كان- يؤمن بأهمية تحقيق ذاته الفردية والجمعية وبقيمة الهوية التي ينتمي إليها، وسيغلّب مصالح الوطن والمجتمع على مصالحه الفردية أو الفئوية التي تدعوه إلى الفرار من وطنه أو العمل على نهبه، وأن ذلك سيؤمّن بضرورة إعادة تنظيم نفسه مع غيره؛وترسُّخ ضرورة التنظيم في وعيه سيوصله إلى ضرورة إيجاد صيغة للدولة التي تخدمه، وبوجود الدولة التي تخدم المجتمع، لا التي تحكمه، سيُحدِث، بلا شك، تغييرات إيجابية هائلة تساعد على تغليب البقاء في الوطن وفي عودة المهاجرين إليه وطرد هاجس الهجرة من الأذهان.
|