الميثاق نت -

الإثنين, 20-أبريل-2026
الميثاق نت: -
ارتدادات الحرب التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران وانعكاساتها على المنطقة والعالم ستكون لها وقفات في صُنْع السياسات المستقبلية للدول، نظراً لما أحدثته من هزات عنيفة في شكل الرؤية التي كانت تنظر إليها بعض الدول لأمريكا على أنها حليف موثوق، ناهيك عن التداعيات الاقتصادية والأمنية التي تأثرت بها دول العالم، خصوصاً أسواق الطاقة العالمية ومنها أمريكا نفسها التي يعاني شعبها ضغوطات معيشية صعبة جراء ذلك، ناهيك عن الأزمات الاقتصادية التي تعرضت لها الدول بفعل تلك الحرب التي خاضتها واشنطن منفردة وتحاول جر دول العالم إليها، وهي التي نأت مبكراً عن المشاركة فيها..
محور حديثنا هنا عن ارتدادات الحرب ومآلاتها على المنطقة والعالم وكيف سيكون الوضع في الأيام القادمة..؟
وأيضاً السؤال المحوري يقول: المنطقة والعالم إلى أين؟.. وهل سيدفع العالم ثمن مغامرات غير محسوبة تقوم بها أمريكا تحت ضغط اليمين المسيحي المتصهين..؟!

أزمات وصراعات
الكاتب الصحفي إسماعيل النجار، يرى أن المنطقة تبدو وكأنها تستعد لطيّ صفحةٍ ثقيلة من تاريخها، صفحة الحضور العسكري الأمريكي الممتد على رمال الصحراء، والذي خلَّف وراءه أزماتٍ وصراعاتٍ وانقسامات لا تزال آثارها حيّة في الذاكرة السياسية للشعوب.. عالمٌ عربي يترقّب، بعضه بقلقٍ بالغ، وبعضه الآخر بقدرٍ من الرهان على تحوُّلاتٍ كبرى قد تعيد رسم موازين القوة..
وأشار النجار إلى أن الحرب التي اشتعلت لم تكن، في جوهرها، سوى انعكاسٍ مباشر لتقاطعات المصالح الأمريكية الإسرائيلية، حيث اندفعت واشنطن لتكريس أمن “تل أبيب” وتلبية حسابات بنيامين نتنياهو، ولو على حساب استقرار المنطقة بأكملها.. وفي خضم هذا المشهد، جرى تسويق الصراع على أنه دفاعٌ عن أنظمة الخليج في مواجهة إيران، رغم أن الوقائع لم تُثبت يوماً أن طهران بادرت يوماً إلى القيام باعتداء مباشر يهدّد أمنها القومي..
ولفت إلى أنه ورغم حجم الدمار الذي أصاب إسرائيل جرّاء الضربات الصاروخية الإيرانية، والتي طالت بُنى عسكرية وأمنية واقتصادية حساسة، فإن “تل أبيب” بدت أقل اكتراثاً بالخسائر، مستندةً إلى وعودٍ خليجية بإعادة الإعمار والتعويض الكامل.. وإذا ما ثبتت هذه المعطيات، فإنها تفتح باباً واسعاً للتساؤل حول طبيعة الأدوار التي لعبتها بعض الأنظمة الخليجية في إشعال فتيل المواجهة، بل وتحوُّلها إلى شريكٍ غير مباشر في قرار الحرب الجائر..

أزمة دولية
تزداد المخاوف من أن الانزلاق نحو استخدام أسلحة غير تقليدية قد يفتح الباب أمام ردود أفعال متسلسلة من قوى كبرى، قد يحوّل النزاعات الإقليمية إلى أزمة دولية مفتوحة، تتجاوز حدود السيطرة..
ويضيف النجار في هذا الصدد قائلاً: في ضوء كل ذلك، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة تقييم المسارات الحالية، خصوصاً في واشنطن، حيث بات ضبط إيقاع القرار السياسي والعسكري ضرورةً لتفادي انزلاقاتٍ خطيرة قد لا تقف عند حدود الشرق الأوسط..
إن المنطقة تقف اليوم على مفترق طرق تاريخي، حيث تتقاطع مشاريع النفوذ مع إرادات الشعوب، وتُعاد صياغة التوازنات على وقْع الصواريخ والدبلوماسية معاً.. وما بين صعودٍ إقليمي لطهران وتراجعٍ نسبي للدور الأميركي، يبقى السؤال مفتوحاً؛ هل يتجه العالم نحو تسوياتٍ عقلانية، أم نحو جولاتٍ جديدة من الصراع..؟
الإجابة، على ما يبدو، لا تزال رهينة القرارات التي تُتخذ في لحظات التوتُّر، حيث قد يرسم قرارٌ واحد ملامح مرحلةٍ كاملة من تاريخ المنطقة..

اتساع المواجهة
أما المحلل السياسي شريف منير فيقول: "إن التطورات الراهنة تشير إلى أن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تجاوزت حدود المواجهة المباشرة المحدودة، لتدخل طوراً تصاعدياً مفتوحاً تتزايد معه احتمالات الامتداد الإقليمي واتساع نطاق التداعيات الاستراتيجية المرتبطة بها.. لافتاً إلى أنه مع استمرار هذا المسار، لم يعد الصراع يُقاس فقط بحدوده العسكرية المباشرة، بل بما يتيحه أيضاً من فرص لإعادة تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط، وإعادة توزيع النفوذ بين الفاعلين الدوليين والإقليميين..
ويرى منير: أن ذلك أدى لبروز -خلال العقد الماضي- مساعٍ روسية حثيثة لاستقطاب حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عبر مقاربة ترتكز على أولوية استقرار الأنظمة بوصفه مدخلاً لإعادة التموضع الاستراتيجي، وفي المقابل، اعتمدت الصين مساراً مختلفًا يقوم على التمدُّد الهادئ عبر أدوات القوة الناعمة، من خلال تعميق الشراكات الاقتصادية وتوسيع الحضور الدبلوماسي، ومن ثم، فإن إطالة أمد الحرب أو انزلاقها إلى نطاقات أوسع قد تفتح المجال أمام انخراط أكبر لهاتين القوتين، ليس فقط لملء الفراغات التي قد تنتج عن الاستنزاف الأمريكي، بل أيضاً لتقويض النفوذ الأمريكي عالمياً وإعادة اختبار موازين القوة في واحدة من أكثر الساحات الجيوسياسية حساسية..
ويفترض شريف فرضية فيقول: انطلاقاً من ذلك، فإن إيران قد تتحول إلى ساحة رئيسة لتنافس القوى الكبرى، وذلك من خلال تتبع مسارين متداخلين: أولهما مظاهر التمدُّد الاستراتيجي الأمريكي المفرط، وثانيهما الصدمات الاقتصادية المحتملة الناجمة عن اضطراب أسواق الطاقة واتساع تداعيات الأزمة..



لحظات تاريخية
المحلل السياسي والإستراتيجي طارق فضل يقول: إن المنطقة تعيش لحظات تاريخية حرجة من حيث تتداخل الحسابات العسكرية المعقدة مع لغة التهديد السياسي..
وعن ارتدادات الحرب يقول فضل: من وجهة نظر استراتيجية يمكن قراءة نتائج التصعيد الأخير على عدة مستويات:
- كسر المحرمات الاستراتيجية المواجهة المباشرة (وليست عبر الوكلاء) بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، لقد نقل الصراع إلى مرحلة كسر العظم، لم تعد هناك خطوط حمراء واضحة، مما جعل المنطقة بأكملها ساحة اختبار للأسلحة والقدرة على التحمُّل..
- الاستنزاف الاقتصادي العالمي: أدت الحرب إلى اضطراب هائل في أسواق الطاقة، خاصةً مع التهديدات التي طالت مضيق هرمز..
الارتدادات لم تقتصر على الداخل الإيراني، بل امتدت لتسبّب ضغوطاً تضخُّمية عالمية دفعت القوى الكبرى مثل "الصين وروسيا" للتدخُّل العاجل..

- إعادة رسم موازين القوى: أظهرت الحرب حدود القوة لكل طرف؛ فبينما أثبتت التكنولوجيا الغربية تفوقها الجوي، أظهرت إيران قدرة على الصمود واستخدام الجغرافيا السياسية (الممرات المائية) كأداة ضغط لا يمكن تجاهلها..

هدنة هشة
إن المشهد الحالي يشير إلى أن وقف إطلاق النار الذي تم التوصُّل إليه هو هدنة هشة أكثر من كونه سلاماً مستديماً، وذلك لعدة أسباب منها (الضغط الأقصى): تصريحات ترامب تشير إلى أنه لا يرى وقف إطلاق النار كهدفٍ نهائي، بل كأداة لإجبار إيران على اتفاق شامل يتضمن تفكيك البرنامج النووي بالكامل وتسليم اليورانيوم..
تهديداته بأن العمل لم ينتهِ بعد تعني أن الخيار العسكري يظل مطروحاً بقوة إذا لم تستجب طهران للشروط، أي أن أمريكا تريد تحقيق ما فشلت في تحقيقه بالحرب عبر المفاوضات، وكذلك موقف المحتل الإسرائيلي حيث يعتبر أن الفرصة سانحة لتغيير وجه الشرق الأوسط وإقامة إسرائيل الكبرى عبر إضعاف النظام الإيراني بنيوياً..
إسرائيل صرَّحت علانيةً بأنها لا تعتبر نفسها ملزمة بهدنة طويلة إذا استمر التهديد الوجودي وهي تواصل عملياتها الإجرامية في ساحات أخرى مثل لبنان وغزة، كذلك الضمانات المفقودة حيث لا يوجد حتى الآن اتفاق مكتوب يضمن عدم العودة للقتال؛ فالمفاوضات الحالية في إسلام أباد لا تزال في بداياتها وتحت ضغط التهديد المتبادَل..


كارثة عالمية
بالنسبة للضغط الدولي لوقف الحرب يرى فضل أنه يكتسب زخماً استثنائياً لسبب واحد أساسي هو الاقتصاد، فالقوى الكبرى، وعلى رأسها الصين، مارست ضغوطاً هائلة على طهران وواشنطن لأن استمرار إغلاق أو تهديد مضيق هرمز يعني كارثة اقتصادية عالمية، هذا الضغط هو المحرّك الفعلي لوقف إطلاق النار الحالي لمدة أسبوعين.
وعن المبادرات الإقليمية يشير فضل إلى أن دولاً مثل باكستان تلعب دوراً وسيطاً حيوياً بدعم دولي لتجنُّب انفجار المنطقة بالكامل، وهو ما قد يلجم مؤقتاً الرؤوس الحامية في واشنطن وتل أبيب..
ويخلص فضل إلى القول: نحن أمام استراحة محارب.. القوة العسكرية حققت أهدافاً تكتيكية، لكن الحل الجذري لم ينضج بعد.. استمرار العدوان من جديد يعتمد كلياً على مدى تنازل إيران في ملفها النووي تحت وطأة الحصار البحري الذي يفرضه ترامب، ومدى قدرة المجتمع الدولي على تحويل الهدنة الهشة إلى إطار سياسي دائم..

موازين القوى
الصحفية سهى البغدادي تقول: إن ما نشهده اليوم من ارتدادات للحرب على إيران لا يمكن قراءته فقط في إطاره العسكري الضيّق، بل يجب فهمه كجزء من إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، فالحرب كشفت عن هشاشة منظومات الردع التقليدية، وأعادت فتح ملفات النفوذ الإقليمي، من الخليج إلى البحر المتوسط، مروراً بالعراق وسوريا ولبنان..

وعن تداعيات الحرب تقول سهى: التداعيات لم تعد مقتصرة على الجغرافيا الإيرانية، بل امتدت لتشمل أمن الطاقة العالمي، وحركة الملاحة، وكذلك الاستقرار السياسي في عدد من الدول العربية، وهو ما يجعل من هذه الحرب نقطة تحوُّل استراتيجية في بنية الإقليم..

ضغط دولي
وعن إمكانية استئناف الحرب من عدمه ترى سهى أن التصعيد اللفظي، خاصةً من جانب شخصيات مثل دونالد ترامب، يعكس توجُّهاً داخل بعض دوائر صُنْع القرار نحو إبقاء خيار المواجهة قائماً، سواءً كأداة ضغط أو كخَيار فعلي في حال تغيرت المعادلات على الأرض.. لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل حجم الضغوط الدولية المتزايدة لاحتواء التصعيد، خصوصاً في ظل المخاوف من انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة قد تصعب السيطرة عليها، هذه الضغوط، سواءً من القوى الكبرى أو من الأطراف الإقليمية، قد تلعب دوراً حاسماً في تثبيت وقف إطلاق النار، ولو بشكل مؤقت..
وترى سهى أن السيناريو الأقرب، من وجهة نظرها، هو استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم"، حيث يتم الحفاظ على التهدئة الهشة مع بقاء احتمالات الانفجار قائمة في أي لحظة، وفقاً لتطوُّرات الميدان وحسابات المصالح.. وفي النهاية، تبقى المنطقة أمام مفترق طرق حقيقي: إما الانزلاق نحو مزيد من الصراعات المفتوحة، أو الاتجاه نحو ترتيبات أمنية جديدة تفرضها توازنات القوى ومصالح الفاعلين الدوليين والإقليميين..

حرب الجغرافيا
بدوره يقرأ المحلل السياسي حمود أحمد مثنى، الأمر من زاوية أخرى تتداخل فيها الثقافة والدين مع الجغرافيا والطاقة فيقول: إن الحرب على ايران هي حرب الجغرافيا والطاقة والثقافة والدين، فجغرافيا الشرق الأوسط يجب السيطرة عليها وإذلالها للتحكم بصعود آسيا (الصين -الهند اليابان -كوريا- إندونيسيا- باكستان) وحرب الطاقة لتحقيق الربح والسيطرة الاقتصادية على آسيا الصاعدة وأوروبا في نفس الوقت، وهي حرب الثقافة، أيضاً فهي انتصار للمقولات الأمريكية وثقافتها على العالم في نمط الحياة الاجتماعية والفنية والغذائية واللغوية.. وحرب الدين تتمثل في هزيمة الإسلام والمسيحية الأرثوذكسية الشرقية والكونفوشية لتحقيق السيادة المسيحية المتصهينة..
(والجميع يتذكر تصريح ترامب بأنه مَنْ سيعيّن المرشد أو ربما سيختاره الإيرانيين مرشداً- وسيشارك السعودية تقاسم عائدات الحج)..

التقاط الأنفاس
يذهب مثنى للقول: بالانتصار على إيران ومحور المقاومة يتحقق كل ذلك بعد أن تم تدمير المنطقة العربية بدولها وشعوبها؛ وبالتالي إخضاع القوى المقاومة لمشروع الجغرافيا التوراتية الذي يمتد من النيل إلى الفرات ممتلكاً سوريا ولبنان والعراق ونصف السعودية، ممتداً إلى بحر الخليج؛ وعلى ذلك تتشكل جغرافيا سياسية جديدة تختفي دول وتنشأ دول أخرى تكون تابعة للقطب الأوحد الحكومة العالمية لأمريكا الصهيونية..
ويختم مثتى حديثه قائلاً: إن المفاوضات تمثّل لأمريكا الحصول على الوقت لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع وترتيب القدرات العسكرية والاستخبارية، واذا لم تتحقق الإرادة والشروط الأمريكية في هذه المفاوضات والتى أهمها إلغاء البرنامج النووي والصاروخي والتوقُّف عن دعم حركات المقاومة، فإن الحرب والعدوان سوف يستمر لتحقيق الاستراتيجية الأمريكية لرسم خارطة العالم السياسية والاقتصادية والدينية..

إفشال المخطط
وبدوره يقول الصحفي أحمد داؤود: لقد أثبتت الجمهورية الإسلامية الإيرانية قدرتها على مواجهة المخاطر وتمكنت من إفشال مخطط العدو الأمريكي الصهيوني في إسقاط النظام الإيراني وإحداث فوضى هناك وتقسيم البلاد.. ويشير إلى أن حرس الثورة الإسلامية استطاع توجيه ضربات عسكرية موجعة ضد كيان العدو الصهيوني وضد القواعد الأمريكية في المنطقة، وهذه الأحداث شكلت هزيمة استراتيجية لأمريكا وإسرائيل، وستكون من نتائجها تثبيت واقع جديد في المنطقة ينظر لإيران ومحور المقاومة من منظور القوة والاحترام وليس الضعف، وهنا نؤكد انهيار مخطط الشرق الأوسط الجديد إلى الأبد، وانتهاء حُلُم اليهود في تحقيق إسرائيل الكبرى، وستنهي مسار التطبيع العربي مع الكيان، وإعادة توازن القوى في المنطقة..
ويلفت داؤود إلى أن كل المؤشّرات تدل على أن واشنطن لن تفكر في شنّ عدوان جديد على إيران، ولن تجرؤ كذلك اسرائيل، ما يجعلنا أمام معادلة جديدة تقوم على انتهاء زمن الهيمنة والاستكبار الأمريكي الصهيوني.
تمت طباعة الخبر في: السبت, 19-سبتمبر-2026 الساعة: 12:45 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68746.htm