بقلم/ عبدالله البردوني - كان محمد الحنكي أمهر قائد عجلة ثم أبرع قائد دراجة نارية ثم ساق ناقلة ولما وصلت صفقة الدبابات السوفييتية 1958م تَحوَّل إلى قائد دبابة وكان من أمهر القياديين
قاد الحنكي سيارة جنود إلى البيضاء في 1953م وقاتل معهم الحملات الاستعمارية التي كانت تشن الغارات تلو الغارات على الشطر الشمالي
ذات يومٍ صَوَّب بندقيته على طائرة فأصاب منها مكاناً حساساً فأسقطها وكان أعظم حدث في ذلك الحين
عُرف في الخمسينيات ببطل البيضاء كما عُرف بأنه قاهر الجبال بكل سيارة شاحنة يقودها
كان أصحاب الهموم الوطنية أقوياء الاهتمام بأخبار العالم وتَـفجُّرات الشعوب وحركات الجماهير عن طريق المذياع
لم تشاهد جماهير صنعاء صبيحة 26 سبتمبر محمد الحنكي إلا وهو محترق مع زميليه المحبشي والشراعي في تلك الدبابة الشهيرة جوار قصر البشائر
كان من الجنود المجهولين ولم يكن يحمل رتبة فظل مطوي التاريخ وقلَّما أشار إليه كاتب
ــــــ
تولَّى محمد الحنكي قيادة الدبابة التي احترقت به وبرفيقيه المحبشي والشراعي صبيحة السادس والعشرين من سبتمبر، فكان ذلك الاستشهاد تتويجاً تاريخياً للشهداء الثلاثة الذين سبق الحديث عن اثنين منهم.. وكان محمد علي الحنكي لا يقل معاناةً ووعياً عن رفيقيه كما يشهد تاريخ قيادة السيارة في بحر الخمسينيات وبداية الستينيات، وهذا يبرّر الرجوع إلى أول المرحلة..
من مطلع الأربعينيات توالى ظهور السيارات الشاحنة التي كانت تنقل البضائع من عدن إلى مدائن الشمال ومن الحديدة إلى صنعاء..
وكانت البضائع في المدائن الأقرب من مصدر الاستيراد أرخص سعراً، فكانت في ذمار أرخص من صنعاء، وفي يريم أرخص من ذمار، وفي القاعدة وتعز أرخص من يريم، وذلك لأن مشقة الأسفار بالسيارات في غاية الشدة لوقوف الجبال الشاهقة في الطرق غير المعبدة، وكان أشق هذه الجبال جبل سمارة في طريق صنعاء تعز ونقيل يسلح في طريق ذمار صنعاء ونقيل المصنعة في طريق صنعاء الحديدة..
أما السيارات الخاصة فكانت في الأربعينيات لا تتجاوز عدد أصابع اليدين..
ومن بداية الخمسينيات بدأ تكاثر السيارات؛ وبتكاثرها تكاثر قائدوها.. وكان الذين يسوقون السيارات مثار إعجاب الأجانب الذين يزورون اليمن، لأنهم مارسوا هذه المهنة دون دراسة في معاهد هندسة أو تدريب في ورشات، وإنما عرف بعضهم البعض فكانوا يقودون السيارات بدون تعليم ويصلحون الخلل في كل سيارة بالخبرة والتجربة..
وكان يتحول معاون قائد السيارة إلى قائد بعد فترة، فتحول كل مساعد قائد إلى قائد يحتاج إلى مساعد..
هذه السيارات الشاحنة كانت تجوب اليمن من أقصى جنوبه إلى أقصى شماله.. فكيف تعلَّم أبناء المدارس وسائر أبناء المدائن قيادة السيارة؟.. لهذه المهنة بداية أخرى..
* * *
انتشرت من منتصف الأربعينيات الدراجات العجلة، ولاقاها المحافظون في المدائن بأغرب استنكار، غير أن هذا الإنكار لم يعق انتشارها وتكاثر استعمالها..
وكان الذي يتعلم قيادة هذه العجلة يستوعب بسرعة قيادة الدراجة النارية ويستوعب أسهل قيادة السيارة..
ولعل شهيدنا محمد علي الحنكي تطوَّر على هذا النحو.. كان أمهر قائد عجلة، ثم أبرع قائد دراجة نارية، ثم ساق ناقلة مدة شهور ولما وصلت صفقة الدبابات السوفييتية عام 1958م تحوَّل من جندي إلى قائد دبابة وكان من أمهر القياديين لهذه الآلة الضخمة، وكانت تلك الدبابات تحتاج إلى قائد ومعمّر ورامٍ؛ وكان محمد الحنكي هو قائد الدبابة التي احترقت به والشراعي والمحبشي..
* * *
تَـعوَّد الحنكي خوض الأخطار من بداية تعامله مع الآلة وتعامله مع البندقية، فقد قاد سيارة جنود إلى البيضاء سنة 1953م وكان يقاتل مع الجنود الذين يحملهم الحملات الاستعمارية التي كانت تشن الغارات تلو الغارات على الشطر الشمالي من الشطر الجنوبي وبالأخص لواء البيضاء ومناطق حريب..
وفي عام 1953م تَبدَّت جرأة الحنكي أمام الهجمات الجوية الإنجليزية التي استهدفت منطقة الصومعة، إذ كان الحنكي لا يخاف ذلك القصف الذي لا عهد له ولزملائه به.
ونتيجة شجاعته واستفادته من كل طارئ أشار على زملائه بضرب الطائرات المغيرة برصاص البنادق التي كانت تحلق على ارتفاع منخفض لغياب المدافع المضادة.
وذات يوم صوب الحنكي على طائرة فأصاب منها مكاناً حساساً فأسقطها برصاص بندقية، فكان هذا أعظم حدث في ذلك الحين، وتساءل المتسائلون عن محمد الحنكي وتبلبل المعسكر الانجليزي وحقق في كيفية سقوط الطائرة وكيف نجح الجندي في إسقاط طائرة ببندقية.
كان محمد الحنكي يحكي لزملائه عن الثقب الذي رآه في الطائرة وصوب إليه الطلقة وكان يقول عرفت أن تلك الفتحة متصلة بالبنزين وأنها رقيقة يمكن اختراقها برصاصة.
وعرف محمد الحنكي في الخمسينيات ببطل البيضاء، كما عرف بأنه قاهر الجبال بكل سيارة شاحنة يقودها، ولما جاءت الدبابات كان أمهر قائد دبابة وكان ذلك الزقاق الذي وصلت إليه دبابته من شهود مهارته، لأنه ضيق، ولا يزال ذلك الممر كما كان إلى اليوم إذ يقع شمال قصر البشائر.
ولابد أن ذلك الاقتحام برهان الوعي الثوري ودليل الاستماته في سبيل الوطن.
وهذا يدلنا على أن الحنكي كان واعياً عن ثقافة اختبارية وفكرية.. فكيف كان يتثقف هو وأمثاله الذين لا يتجاوز تعليمهم الابتدائي المتواضع ؟
* * *
كان أصحاب الهموم الوطنية أقوياء الاهتمام بأخبار العالم وتفجرات الشعوب وحركات الجماهير عن طريق المذياع، الذي كان له في الخمسينيات أبعد الأثر في المدائن والقرى وكان محمد الحنكي لزيم جهاز الراديو يتتبع الأخبار من كل مذياع ويعرف مواقيتها.
كذلك كان يجالس أفضل الناس ثقافة وأقدرهم على التحدث الممتاز. وكان يلصق بوعيه كل فكر، لأنه كان يحسن الاستماع والالتقاط، فقادته رغبته الثقافية إلى بذل الجهد في قراءة الكتب والجرائد، وبإدمان القراءة استطاع أن يفهم كثيراً.
وكان يشكو من صعوبة بعض الكتب ومن ميله فكان يسمي الكتاب الصعب الملعون. لأنه يريد استيعابه ويستعصي عليه.
غير أن الإلحاح يفتح أقوى الأبواب فكان الحنكي يواصل القراءة وكان أكثر مقروءاته الشعر الوطني، لأنه كان يحفظ بسرعة وينسى بسرعة.
وكانت فكرة المكتبة البيتية غير ممكنة لمثله، لأنه كان لا يملك بيتاً وإنما كان مع زملائه من الطلاب ثم مع إخوته في السلاح إلا أنه كان يختلس أوقاتاً يتصل فيها بمجالس الثقافة والمثقفين.
وكان لا يذاكر ولا يبدو مطلعاً إلا قبل استشهاده بشهور حتى قال عنه رفيقه المحبشي : إما أن الحنكي عميق لا يقول شيئاً أو أنه غبي ليس عنده ما يقول.
لأنه كان صموتاً غير متجهم، فكان ببشاشته جميل الحضور وبصمته قوي الملاحظة..
* * *
ولما اتقد الإرهاص الثوري شكل الحنكي اتصالاً واسعاً بسائر القطاعات ليستطلع هموم الناس، فتجلى أن التخمر الوطني بلغ درجة الانفجار، وكانت حساسية المرحلة تُبدي عن طواياها كثيراً من الأسرار إذ سقط التحفظ بين الأفراد والجماعات وباح كل بما عنده أو ببعض ما عنده غير أن صمت الحنكي صان السر الهام وهو التحرك الثوري..
فلم تشاهده جماهير صنعاء صبيحة 26 سبتمبر إلا وهو محترق في تلك الدبابة الشهيرة التي كانت طريقاً إلى الثورة وطريق الثلاثة الأبطال إلى رحاب الله.
لقد كان الحنكي من الجنود المجهولين، فلم يكن يحمل رتبة، وقلما أشار إليه كاتب على كثرة ما تحدثت الكتابات عن زميليه المحبشي والشراعي على حين ظل الحنكي مطوي التاريخ لأنه جندي ولأنه قائد دبابة، مع أن العنصر الإنساني المحرك أعلى أهمية من الآلات المتحركة، لذلك كان الحنكي من الطليعة الأولى في قافلة الشهداء.
من كتاب (ثوار في رحاب الله) للبردوني
نشر حديثاً عن الهيئة العامة للكتاب
|