الميثاق نت -

الإثنين, 06-أبريل-2026
بقلم/ عبدالله البردوني -
إذا كان الجيل الأول من هذا العصر تحمل أعباء التحرير من العهد العثماني ومهمة تأسيس الحكم الوطني فإن الجيل الثاني عاني الانشقاق بين موالين للحكم وبين معارضين له..
ولعل الجيل الثاني برغم انشقاقه إلى صفين قد أحدث العكس في الجيل الثالث الذي ولد أفراده في الثلاثينيات وأول الأربعينيات وتفتح صباه وبدء شبابه تحت أجواء الخمسينيات.. وهذا هو جيل ثورة سبتمبر..
وإذا أمكن تلمس الظواهر الشعبية فإن الجيل الثالث كان أوفر حظاً، لأنه جاء في أوانه وكان تفكيره وأحلامه ممتزجة بأحلام الشعب اليمني كله، فقد عانى الجيل الأول عدم الاتفاق ضد الأتراك، إذ كان البعض يرى الأتراك من الأمة الإسلامية فلا يستبيحون دماءهم، على حين كان البعض أقوى حماساً ضد الأتراك عن نزوع مذهبي.. كذلك كابد الجيل الثاني من المثقفين الانقسام حول الحكم الدستوري والحكم الفردي وكان الشعب بمعزل عن تفكير مثقفي الأربعينيات.. إذ لا عِلم له بنوايا الدستوريين وأشخاصهم إلا عندما ظهروا كقادة بعد الإمام يحيى عام 1948م..
أما الجيل الثالث فقد كان تفكيره تفكير الشعب، إذ عم التذمر كل أرجاء اليمن من سلطة الإمام أحمد وأتباعه لأنه كان محروماً من القداسة التي خلعها الشعب على أبيه، ففكر الشعب فيه كحاكم مسئول عن أمن الشعب ورخائه وضمان حرية بنيه.. ولعدم انسجام الحكم في الخمسينيات مع رغائب الشعب، كان الثوار والشعب منصهرين في وجهة واحدة هي تغيير الحياة سياسياً واجتماعياً، وإن كان هناك اختلاف فعلى كيفية التغيير..
هل يقوم بإمام يتبنى مطالب الشعب، أم على انفجار ثورة تضع الحكم الشعبي مكان الحكم العائلي؟
إذن فاختلاف الخمسينيات على الكيفية وليس على الأساس. وكان الثوار من غمار الشعب إذ جاء العسكريون إلى الكلية الحربية وكلية الشرطة ومدرسة الطيران من غمار الشعب. جاؤوا من بيوت الفلاحين الفقراء ومن بيوت الفلاحين الميسورين فتقاربت الطبقات أو اتحدت في المهمة الثورية..
ولعل بطل هذه الحلقة محمد الشراعي أصدق مثل على شعبية الثورة وغاياتها الشعبية كما سوف نرى..

* * *

نشأ محمد الشراعي كزميله عبد الرحمن المحبشي في ظروف الإرهاص الثوري وتحت تأثير الخمسينيات بمستجداتها وتغيراتها محلياً وعالمياً، لأن اليمن جزء من العالم الذي سارعت فيه التغايرات من بعد الحرب العالمية الثانية.
فتهيأت فرص جيل الخمسينيات للتحرك الثوري والثقافة الثائرة ولاقت الأفكار الثورية مناخاً أصلح من مناخ الإصلاحيين الدستوريين الذين أرادوا في مطلع الأربعينيات إصلاح الأوضاع لا تغييرها.
أما شباب الخمسينيات فإن أمامهم مهمات صعبة ولكن في ظروفها الممكنة، إذ تهيأت إمكانية الثورة بدليل السخط الذي شاع على الأوضاع العامة.
كان الفلاحون يتفجرون سخطاً على تجاوز الزكوات نصابها الشرعي، وكان العمال يضيقون من أجورهم التي لا تتجاوز ثمن الريال، وكان سائقو السيارات يخوضون أعنف المشقات لغياب الطرق المعبدة من عدن إلى صنعاء والعكس، حيث كانت الرحلة من تعز إلى صنعاء تستغرق ما يزيد على ثلاثة أيام نتيجة صعوبة الطرق وبالأخص في مواسم الأمطار.

وكان الشعب يعرف ما استجد على العالم من سهولة المواصلات ورصف الطرقات وانتشار المشاريع الزراعية وإقامة النقابات العمالية.. بهذا اتسع السخط على الأوضاع الإمامية عن حس تغييري، وكان طلاب المدارس المتوسطة والثانوية الذين شكلوا غالبية الكليات العسكرية أقرب إلى حس الشعب، لأنهم شركاء في معاناة العمال والفلاحين وصغار الموظفين والباعة، وكان محمد الشراعي في النصف الثاني من الخمسينيات شعلة نشاط لاستطلاع أحوال الشعب وتلقط أخباره وحكاياته التي تدور في المجالس والأسواق والطرقات حتى سماه زملاؤه في الثانوية والكلية الحربية بالوكالة المتنقلة.
كان يروي أخبار الأمطار وأخبار الشجارات في المناطق وأبناء السجناء وأعدادهم وكيفية معاملاتهم في السجون ونوع التهم التي تقدم إليهم، كذلك كان الشراعي على أقوى صلة بموظفي الدوائر وقلة مرتباتهم وعلى دراية بأصحاب الحظوظ الذين نالوا مرتبات أعلى بفضل شفاعات أو قرابات أو بفضل الرشوات.
وكانت تلك المعلومات التي يقدمها الشراعي في غاية الأهمية لأنها كانت تكشف الأحوال السياسية والاقتصادية معاً.
ولم يتمتع شاب بالاهتمام الذي تمتع به محمد الشراعي، إذ كان يهتم بكل ظاهرة قروية أم مدنية وإن كان أقل قدرة عن استنباط الأسرار من كل ظاهرة.
* * *
إلى جانب تتبع الشراعي أطوار الناس وأحوالهم، كان قوي العلاقة مع أكثر القطاعات وكان يكون الصداقة بينه وبين من يلاقيه في أول لقاء.
فشكلت شخصيته الاجتماعية جسر اتصال بين المثقفين الثوار فكان يتولى توزيع الكتب التي ترد من الخارج على المهتمين بالتثقيف، إذ كان يحدد مدة لإعارة كل كتاب لكي ينتقل من قارئ إلى قارئ في أقصر مدة ممكنة.
وكان سبب اهتمامه بالكتب الثقافية يرجع إلى اهتمامه الشخصي بقيمة الكتاب الثقافي رغم تواضع تعليمه، وقد عُرف عنه أنه يقرأ الكتاب أكثر من مرة وكان يقول ليست القراءة نزهة في بستان وإنما هي دخول في أفكار كل مؤلف.
* * *
التحق محمد الشراعي بمدرسة الأسلحة عام 1960م، وكوَّن أمْتَن علاقة بين العسكريين في مدرسة الأسلحة وفي الكلية الحربية، كعادته في تمتين العلاقات والاحتفاظ بالصداقات وتعزيزها، حتى قام بأكبر المهمات في أسبوع الثورة، إذ اتصل بأصدقائه وزملائه الموظفين في اللاسلكي وبيت الهاتف، وفي ليلة الثورة قام بالاتصال بزملائه الذين أوقفوا اللاسلكي وقطعوا حرارة الهاتف عن بيوت المسئولين..
وفي الساعة 12 من ليلة 26 سبتمبر عام 1962م كان هو وعبدالرحمن المحبشي ومحمد الحنكي في دبابة واحدة..
كان محمد المحبشي رامياً يتولى إطلاق القذائف وكان محمد الشراعي معمراً وكان محمد الحنكي سائق الدبابة التي رابطت في الشمال الغربي من دار البشائر، وكانت الدبابة الوحيدة في ذلك اليوم التي احترقت بالبترول الذي انصب عليها عند اقترابها منه في حركة مناورة أمام النار التي كانت تنهمر من قصر البشائر فاحترقت بمن فيها.. وكان الثلاثة الأبطال طليعة الشهداء..
فكان محمد الشراعي ثاني عبد الرحمن المحبشي في المهمة العسكرية وقرينه مع الحنكي في شرف الاستشهاد..
لقد عُرف عن الشراعي اهتمامه الشعبي وقوة صلاته بالأناس الشعبيين، كذلك عُرف عنه الاستهانة بالموت فعندما احترقت به وزميليه الدبابة كان يقول.. لا قتال بدون قتلى ولا إحراق نار بدون رماد.
وكانت هذه الكلمات منطبقة على مقولاته قبل الثورة فقد قال ذات يوم: إذا فشلنا فما دخلنا العسكرية إلا لكي نموت.
وكانت ثقافته من الأشعار والكتابات تغذي استهانته بالموت وأصالته في الشجاعة، فقد كان يضحك من زملائه الذين يرددون محفوظة المدارس ويقول لقد استجدت أشعار كثيرة وكتب كثيرة وما تعلمنا في المدرسة إلا أضعف الشعر، وكان من محفوظاته قصيدة أبي القاسم الشابي: (إذا الشعب يوماً أراد الحياة)، وقصيدة كمال عبد الحليم (إصرار)، وقصيدة الشابي (يوم الطغاة)..
وكان شعر تلك الفترة من النوع الثوري ومن الطراز المباشر في الدعوة إلى التحرك والتغيير، لأن الشراعي كان قوي اللاقطة، يلتقط من المقروءات ما تقع عليه عيناه ويستظهر من المسموعات ما يقع على سمعه، وكان يختار من الثقافة الشعرية والكتابية ما يتقد بالثورة ويتألق بالوطنية، وكان يشتبك مع زملائه الذين يميلون إلى الثقافة الضحلة أو الشعر العاطفي، فكان يسمي قصائد نزار قباني عقود بنات، لأنه يرى ذلك الشعر يجسد حب مراهقات ومراهقين ولا يحمل مداً ثورياً.
وكان ينقد الشعراء اليمنيين الذين يشتغلون بأوصاف الطبيعة وبالتعبير عن الذات ويعتبرهم غير منسجمين مع واقع الشعب الذي يريد أن يثور ويحقق وجوده الحي.
كان الشراعي يشترك مع كوكبة من زملائه في الميل إلى الثقافة الحية المسئولة بمقدار اشتراكه مع زملائه في ضرورة انفجار الثورة الشعبية..
وحين حان وقت تنفيذ الثورة قام الشراعي بعدة مهمات اتصال كما سبق التنويه..
ثم دخل الدبابة التي كانت نعشه إلى رحاب الله.

من كتاب (ثوار في رحاب الله) للبردوني ،صدر حديثاً عن الهيئة العامة للكتاب.
تمت طباعة الخبر في: السبت, 19-سبتمبر-2026 الساعة: 12:45 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68695.htm