الميثاق نت -

الأحد, 29-مارس-2026
عبد السلام الدباء* -
هل يمكن لمنشورٍ واحد على وسائل التواصل أن يشعل نزاعاً بين أبناء بلدين جارين أو بين مجتمع في بلد واحد، أو يزرع الشك بين سكان منطقة واحدة أو بين أفراد قبيلة عاش ابناؤها دهراً على التآخي؟ قد يبدو السؤال مبالغاً فيه، لكنه في زمن “الترند” لم يعد افتراضاً، بل واقعاً يتكرر بصيغٍ مختلفة، حيث تتحول الكلمات إلى شرارة، وتغدو الشائعات وقوداً سريع الاشتعال.

في خضم هذا العالم الرقمي المفتوح، لم تعد الكلمة مجرد رأي عابر، بل أصبحت قوة مؤثرة، قادرة على تشكيل الوعي العام، وصياغة المواقف، بل وحتى تحريف الحقائق.. وهنا يكمن الخطر حين يتصدر المشهد بعض الصحفيين أو الناشطين أو المؤثرين الذين يمتلكون جمهوراً واسعاً، فيستخدمون هذه المنصات لترويج خطاب الكراهية، أو بث الإشاعات، أو إطلاق التهم جزافاً دون تحقق أو مسؤولية.

إن خطاب الكراهية ليس مجرد كلمات تُكتب أو تُقال، بل هو سمٌّ خفي يتسلل إلى النفوس، فيفسد صفاءها، ويزرع فيها بذور الشقاق.. هو لغة هدامة، تُطفئ وهج التعاطف، وتُضعف روابط الأخوة، حتى يغدو الإنسان غريباً عن أخيه، وعدواً لمن يشاركه الوجع والأمل.. ومن أخطر ما في هذا الخطاب أنه يلبس القسوة ثوب القوة، ويوهم صاحبه بأنه منتصر، بينما هو في الحقيقة يهزم إنسانيته ويقصي الرحمة من قلبه.

وقد حذرنا الله تعالى من الانسياق خلف الأخبار دون تحقق، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، وهي دعوة صريحة للتثبت، وعدم التسرع في الحكم أو التفاعل.. فكم من إشاعة بدأت بكلمة، وانتهت بقطيعة، أو خصومة، أو حتى نزاع لا تُحمد عقباه.. وكما يُقال: فإن «الإشاعة يحذرها العاقل، ويؤلفها الحاقد، وينشرها الأحمق، ويصدقها الغبي»، وهي مقولة تختصر دورة الخطر التي تبدأ بفكرة وتنتهي بكارثة.

إن مسؤولية الكلمة اليوم تضاعفت، وأصبح لزاماً على كل من يملك منبراً، صغيراً كان أو كبيراً، أن يدرك أثر ما يكتب أو ينشر.. فالكلمة قد تكون جسراً للمحبة، أو معولاً للهدم.. وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة ترسيخ ثقافة التحقق، وتعزيز الوعي المجتمعي بخطورة تداول الأخبار دون مصدر موثوق، إلى جانب تشجيع الخطاب الإيجابي الذي يعزز قيم التسامح والتعايش.

كما أن على القارئ والمتلقي دوراً لا يقل أهمية، إذ ينبغي ألا يكون مجرد ناقلٍ أو مروجٍ لما يصله، بل ناقداً واعياً، يميز بين الحقيقة والزيف، ويختار أن يكون جزءاً من الحل لا المشكلة.. فالمجتمعات لا تنهار فقط بفعل الأعداء، بل قد تتآكل من الداخل حين تنتشر فيها الكراهية وتغيب الحكمة.

إن خطاب الكراهية لا ينقص من قدر من نكره، بقدر ما ينقص من إنسانيتنا نحن؛ فهو يسلب القلب سكينته، ويزرع فيه قلقاً لا يهدأ.. أما الصفح، فهو رفعة، والنقاء الداخلي هو أعظم انتصار يمكن أن يحققه الإنسان في معركته مع ذاته.

فلنختر كلماتنا بعناية، ولنجعل من خطابنا جسراً للحياة لا سيفاً للفرقة، ولنستحضر دائماً قول الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.

وفي ختام هذا المشهد المتشابك، يبقى السؤال معلقاً:
هل نحن فعلاً نكتب ما نؤمن به… أم نؤمن بما نُدفع لكتابته؟!
والله المستعان ..
___
* مستشار وزارة الشباب والرياضة
تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 03-نوفمبر-2026 الساعة: 04:40 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68657.htm