الميثاق نت -

الثلاثاء, 17-مارس-2026
إبراهيم ناصر الجرفي -
كم يُصاب الإنسان العاقل المتزن بالذهول والصدمة وهو يشاهد بعض أصحاب العقول الحزبية الصغيرة في اليمن من مختلف الأطراف والأحزاب، وهم غارقون في خلافاتهم الحزبية الضيّقة والصغيرة والمتقزّمة حد التعـفُّن، وهم ينفخون في كِير ورماد سنوات من الضياع والانقسامات والخلافات المملة والروتينية؛ وكل طرفٍ منهم يتباهى بانتكاسات حزبه وفشله ودوره المخزي فيما وصل إليه الوطن، وكل طرفٍ منهم ينفخ نار الحقد والكراهية؛ وهم جميعاً في أوضاع كارثية ومأساوية.. ما هذا الانسداد في الأفق الفكري والعقلي عند أصحاب هذه العقول.. ما هذا الانزواء والانغلاق حَدّ البلادة والسفاهة والغباء والحماقة.. فعلاً، لم يُخطئ صاحب مقولة (إن الحماقة أعيَت مَنْ يداويها)، فلا دواء للحماقة إلا المزيد من الحماقة..
المنطقة والعالم يعيشون مرحلة تاريخية مفصلية ومصيرية سوف يتوقف ويترتب عليها تغييرات كبيرة وغير مسبوقة في خارطة التحالفات على كل المستويات، تغييرات قد تمسح تحالفاتٍ ودولاً وكياناتٍ، وقد تبرز أخرى.. تغييرات قد ترميهم مع أحزابهم وقياداتهم إلى مزابل التاريخ، وهم غارقون في خلافات محلية داخلية صغيرة عفى عليها الزمن، وكل طرفٍ منهم يفتل عضلاته على الآخر، وهم جميعاً لا قيمة لهم ولا وزن في كل ما يحدث اليوم في المنطقة والعالم ..!!
كم أشعر بالاشمئزاز والتأفُّف عند مرور تغريدات وتعليقات وكتابات هؤلاء المتحزّبين الحمقى أمام ناظري، أشعر بأن هؤلاء غارقون في مستنقع من الحقد والكراهية والغباء والبلادة والتجمُّد، بعد أن فقدوا أبسط القِـيَم الدينية والإنسانية التي تدعو للتسامح والعفو والتجاوز، وبعد أن فقدوا حتى أبسط القِـيَم الوطنية والقومية التي تدعو إلى التسامي فوق الجِراح وتجاوز الأخطاء والسلبيات من أجل الوطن والعيش المشترَك والتعايش السلمي؛ فالأوطان من الطبيعي أن تتعرض للصراعات والخلافات البينية فهذا أمر وارد، ولكن لا بد أن يأتي وقت وتنتهي، وهنا تظهر العقول الكبيرة القادرة على معالجة التشوُّهات ورأب التصدُّعات والتسامي فوق الجِراح، وفتح صفحة جديدة مفعمة بالتفاعل والتناغم والقبول والاحترام المتبادَل، صفحة جديدة يتجاوز الجميع فيها كل تجاوزاتهم وسلبياتهم وأخطائهم من أجل مستقبل أفضل لهم ولأبنائهم وأحفادهم وأجيالهم في أحضان وطن واحد مشترَك..
كم أشعر بالأسف والحسرة وأنا أشاهد أصحاب العقول الحزبية الصغيرة وهم يتقدمون المشهد ويتحدثون باسم الأحزاب والأطراف اليمنية، وهم يزيدون الطين بِلَّةً ويوسّعون الجِراحات ويصنعون المزيد من الكراهية ويتفننون في توسيع الخلافات ونبشها بكل دناءة وحقارة، دون اعتبار للحُرمات والتشريعات وأيام رمضان الفضيلة، ودون حُرمة لمَنْ ماتوا ورحلوا عن حياتنا البائسة، فتراهم في كل شاردة وواردة وهم يستدعونهم من قبورهم بالسخرية والتهكُّـم والإساءة في موقف يتجاوز كل صور الحقد والانحطاط الأخلاقي والديني، كل ذلك رغم أن لا مصلحة لهم من ذلك ولا فائدة ولا مردود، مجرد دراويش في أحزابهم، ودواشين ينعقون ويلهثون في سبيل بعض الفتات إنْ وصل إليهم، يبيعون دينهم ودُنياهم وأخلاقهم وأقلامهم وكتاباتهم بأثمان بخسة وزهيدة، وقد يكون ذلك بدون ثمن وإنما لمجرد الحقد والكراهية والتحزُّب الأعمى وإغاظة الآخر، في منظرٍ يعكس حجم السقوط القِـيَمي والأخلاقي الذي يعيش فيه أصحاب العقول الحزبية المتعفنة والصغيرة ..!!
العالم اليوم يعيش حالة غير مسبوقة من الصراع قد تتطور إلى حرب عالمية أو نووية، حرب قد تحرق الأخضر واليابس وتُوقِف دورة الحياة، لدرجة أن أصحاب العقول الصغيرة والبائسة قد لا يجدون ما يأكلون وما يركبون، لكن كل تلك الأهوال والأحداث والمتغيّرات لم تتمكن من إخراج الحقد والكراهية الحزبية من عقولهم، ولم تتمكن من إخراجهم من الدوائر المظلمة والمغلقة التي وضعوا أنفسهم فيها، وإذا كان كل ما يحدث قد وقف عاجزاً عن تغيير وتطوير هذه العقول، ولم يساهم في إخراجها من قواقعها الحزبية المتعفنة فلا أمل فيها ولا حل لها، وستظل مصدراً من مصادر صناعة الحقد والكراهية بين أبناء اليمن، وستظل مصدراً من مصادر تفريق الصفوف وتمزيق عُرى الأخُوَّة الدينية والوطنية، وستظل مصدراً لصناعة المزيد من الخلافات والصراعات والحروب، ولن يكون لها دور إيجابي مستقبلي في لملمة الصفوف ومداواة الجِراح وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء من أجل إنقاذ الوطن عن طريق تحقيق السلام العادل والشامل، الذي سوف يعيد للوطن تألُّـقه وانطلاقته وعودته إلى مسار النهضة والبناء والتنمية والمستقبل الأفضل..
نعم.. إن أصحاب العقول الحزبية الصغيرة ينطبق عليهم المثل الشعبي (كُـلاً عنيده عنيد وأنا عنيدي سعيد).. ونصيحتى لمَنْ لا يزال يمتلك قليلاً من العقل منهم.. أخْرِجوا أنفسكم من هذه الدائرة المظلمة التي لن تجنوا منها إلا المزيد من الانطواء والانغلاق النفسي والمعنوي، ولن تجنوا منها إلا المزيد من الأحقاد والكراهية والبغضاء، ولن تجني منها أحزابكم وقياداتكم إلا المزيد من الفشل والانكسار والانتكاس على كل المستويات، حرّروا أنفسكم من هذه الدوائر والمصالح المغلقة والمظلمة التي أوردت الوطن المهالك والحروب والصراعات والانقسامات، كـبّروا عقولكم بحجم الأحداث الإقليمية والعالمية الحاصلة اليوم، كـبّروا عقولكم بحجم مصالح ومستقبل وطنكم، كـبّروا عقولكم وانظروا كيف يمكن أن تساهموا في إخراج وطنكم وأمتكم من هذه المحنة العظيمة بأقل الخسائر الممكنة، ولو أن عقولكم الحزبية الصغيرة لا أمل يُرجى منها، فأنتم أصحاب أجسام ورؤوس كبيرة لكن بداخلها عقول صغيرة، غرقت في شبر من الأحقاد والكراهية والعداوة ولن تستطع الخروج منها ولا أمل أن تخرج منها حاضراً أو مستقبلاً، عليه العوض ومنه العوض.

تمت طباعة الخبر في: الإثنين, 02-نوفمبر-2026 الساعة: 10:24 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68621.htm