علي حسن شعثان - من الإطلال على مضيق باب المندب البحري والذي يُعتبر أحد الشرايين التي تتحكم في ممرات الطاقة والتجارة العالمية ، يكتسب اليمن أهمية كبيرة من حيث التصنيف الجيوسياسي ويجعل منه محط أنظار ومحاولة تدخل القوى الإقليمية والدولية خصوصاً ذات الجوار المحيط ( السعودية ، الإمارات ، إيران ، وعلى الخفاء قد تؤثر بعض الدول بصورة غير مباشرة ) .
فمن حيث أبرز الأبعاد المتصلة استراتيجياً في شأن الإطلالة البحرية لليمن يُفاد إن الشريط المترامي مائياً يربط في الأساس بين بحري خليج عدن والمحيط الهندي جنوباً مع البحر الأحمر غرباً بتواجد الجزر المُتناثرة في الأعماق كمواقع سكنية مأهولة وغير مأهولة يمنح للدولة هيبة التحكم الجيوستراتيجي البحري إقليمياً ويعزز من مكانتها الدولية إن اُحسنت الإدارة..
غير أن في الوقت الراهن وجراء المتغيرات الدولية ومآلاتها العربية تشهد البلاد تشظياً في الحكم فأصبح صنع القرار منزوي إلى طرفين وكل طرف منقسم على ذاته لأسباب متصلة بالعوامل والمؤثرات ، فهناك سلطة أمر واقع مسيطرة على أجزاء كبيرة من شمال اليمن بما فيها العاصمة صنعاء، وهناك حكومة مجلس القيادة الرئاسي المعترف بها من قبل المجتمع الدولي والمقيمة جل أيامها في خارج المناطق التي تسيطر عليها ( تقيم في الرياض وهذا ما يستغربه الكثير ) وقد واجهت هذه الحكومة تعنت فصيل المجلس الإنتقالي المدعوم إماراتياً والمنادي إلى فك الارتباط وتقرير مصير جنوب اليمن وسط تحديات أمنية هائلة واستتباب غير مطمئن.
وهنا يُشار بأن اليمن الطبيعي وبالعودة إلى سابق التاريخ القديم تؤكد كل المخطوطات والرموز والمقتنيات المتواجدة في أغلب مراكز الحفظ والتوثيق العالمية على أن جنوب شبه الجزيرة العربية بالكامل كانت تحت حكم أمجاد اليمن الغابرة ودوله المتعاقبة تعاقب التمدد والانكماش وعلى مسميات مختلفة..
بحيث إذا ما نظرنا إلى أطلس العالم وخارطة اليمن الجغرافية بالتحديد سنجد ان هذه النظرة تبدي جغرافية اليمن في صورة ( السهول الطويلة على الساحل الغربي والجنوبي والمرتفعات الشاهقة وسط البلاد والصحاري الممتدة شرقاً وشمالاً ) قسمت تلك الجغرافيا خلال القرن الثامن عشر بفعل التدخل التركي والإنجليزي إلى شطرين واستمرت التجزئة لقرن، وكذا عقد من الزمن إلى أن تم دحر التدخل ونشأ نظامي الجمهورية العربية اليمنية على الأراضي الشمالية من الوطن وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية على الأراضي الجنوبية من الوطن أيضاً، وتسايرت الجهود المبذولة في سبيل معالجة ما خلفته التدخلات الخارجية وتحقيق وحدة الإندماج الكامل أرضاً وإنساناً وكذا نظاماً وإدارة، فأتحد النظامان في نهاية العقد التاسع من القرن العشرين - أي صبيحة الثاني والعشرين من مايو عام 1990م - تحت مسمى الجمهورية اليمنية وتسايرت الأمور تنموياً وفق دستور يقر بمبدأ الشفافية والنزاهة والتعددية السياسية وحقوق الإنسان..
بيد أن الأمور كانت غير مستتبة بالمعنى المطمئن لاستكمال بناء المسار التعددي والتداول السلمي للسلطة بفعل العوامل الداخلية المكونة لبنية المجتمع اليمني، بالإضافة إلى المؤثرات الخارجية التي كانت ولا زالت تجهد من حالها في مهام إضعاف اليمن لينبجس من التماحك السياسي وفعل المؤثر الخارجي المساير لأحداث الربيع العربي أحداث 2011م في اليمن وتنقلب الأمور رأساً على عقب وتشل الحياة السياسية من أساسها لتحل محلها الغوغاء والتشرذم وتوصل البلاد إلى ماهي عليه الآن من تقهقر و إحباط بحجة أن لكل طرف مظلوميته ومطالبه الخاصة مصرين على تقسيم الأرض اليمنية إلى ستة أقاليم أقرتها مسودة مخرجات الحوار الوطني الشامل والتي هي في الأساس غير مرحب بها جماهيرياً على الصورة المعلنة مشترطة - أي الجماهير اليمنية - أقلمة المساحة الجيولوجية للبلاد إدارياً لا سياسياً..
ولهذا وإذا ما تم إيضاح ترابط النسيج الاجتماعي لليمن بشكل عام شماله وجنوبه فإن جل الأسر وعلى مختلف مسمياتها لها فعل المصاهرة المسبقة مما قبل الإندماج الوحدوي وأصبحت فيما بعد أكثر إندماجاً وترابطاً ، فمستحيل أن يكون الفك بالصورة التي يحلم بها الطامعون أو أن يحققوا منالهم، أضف إلى ذلك أن ورقة الضغط الاقتصادي المفتعلة من أجل إركاع الجماهير لم تفلح فيها قوى التأثير والتدخلات لسبب صلابة وقوة الشخصية اليمنية وقدرتها على تحمل مالا يطيقه الغير..
وكل هذه الأحداث الملاحظ مُجرياتها على أرض الواقع تُحلل بإن جيوسياسية اليمن جعلت منها نقطة هامة وحساسة على المستوى الدولي وتمحورت في طيها صراعات تمت إلى مهام التوازنات الإقليمية وقد زج بالأطراف إلى مربع الاحتراب والتعبئة المؤدلجة لأجل ذلك الغرض..
فهيهات أن يطول الصراع عند كل ذي وعي.
* باحث وكاتب - رئيس منتدى العُلا للدراسات / الأردن
|