الميثاق نت -

الإثنين, 09-مارس-2026
د. ربيع شاكر المهدي* -
أبدأ موضوعي اليوم من المعادلة التالية:
تركيا عُمْق تقني وصناعي وطموح أوراسي و​مصر عمق تاريخي وجغرافي وسيادة على الممرات المائية ​الدولية كقوة صلبة وشرعية دولية والنتيجة قطب إقليمي حاسم..
تعالوا بنا أعزائي لنغوص جميعاً في بحر هذه المعادلة التي تعمل الدولة العميقة العالمية على تفكيها فالعقيدة الغربية وتحديداً منذ اتفاقية سايكس بيكو وما تبعها تقوم على فكرة أن من يملك التكنولوجيا يجب ألا يملك الأرض ومن يملك الأرض يجب ألا يملك التكنولوجيا والمعادلة التي بدأت بها موضوعي تكسر هذا القانون التاريخي وتجمع الأرض والتقنية في قبضة واحدة..
وبينما ينشغل العالم ببؤر التوتر الساخنة في الشرق الأوسط تتشكل في الخلفية عملية أكثر هدوءاً لا تستهدف إسقاط الدول الصاعدة بقدر ما تهدف إلى ضبط مسارات صعودها فلم يكن ما جرى لإيران خلال العقدين الماضيين محاولة إسقاط مباشر بقدر ما كان عملية طويلة لإعادة تشكيل سلوكها الاستراتيجي عبر العقوبات والعزل واستنزاف الهوامش الحيوية لصعودها وتقييد قدرتها على التحول وصولاً لضربها وهي تتفاوض!..
واليوم ومع انتقال مراكز الثقل الجيوسياسي أعتقد أن النمط ذاته يطرق أبواب دولتين محوريتين في النظام الإقليمي هما تركيا ومصر رغم اختلاف المسارات فكليهما يواجهان معادلة متشابهة السماح بالاستقرار مقابل ضبط الدور..
القوى الكبرى واشنطن وحلفاؤها أدركت أن كلفة إسقاط دول بحجم مصر وتركيا باهظة جداً وقد تؤدي لزلزال عالمي وكان بديلهم هو التحويل الوظيفي، فهناك ما يُسمى في مراكز الدراسات الغربية (بعقيدة التوازن العاجز) وهي تقوم على دعم مصر وتركيا تقنياً وعسكرياً بما يكفي لصد التهديدات مثل الإرهاب أو الفوضى ولكن مع ضمان بقائهما مدينين للنظام المالي والتكنولوجي العالمي لضمان عدم خروج إحداهما لتشكيل كتلة أوراسية مستقلة..
لم تعد المواجهة مع الدول الصاعدة تُدار عبر الغزو العسكري بل عبر إبطاء التحوّل إلى مركز إقليمي بتقييد الوظيفة الجيوسياسية ومنع الاستقلال الكامل في القرار الاستراتيجي..
تركيا تواجه ضغوطاً تحدّ من تحولها إلى عقدة طاقة وأمن أوراسية مستقلة ومصر تواجه ضغوطاً تَحُدّ من تحوُّلها إلى قطب توازن إقليمي مستقل في شرق المتوسط والعالم العربي والهدف ليس إسقاطهما بل ضبط أدوارها ضمن حدود مسموح بها..
في شرق المتوسط تتجلى آليات ضبط الدور بوضوح فهناك محاولات تجاوز جغرافي لتركيا وتقليل أهميتها كممر للطاقة ومصر دمجها كمركز تسييل وعبور لكن داخل شبكة توازنات تمنع تحولها إلى مركز قرار طاقوي مستقل..
أي أن تركيا واجهت الإقصاء ومصر واجهت الاحتواء المشروط، وكلاهما يؤدي إلى النتيجة ذاتها ضبط الصعود..
في تركيا شمال سوريا والفضاء الكردي المسلح وتوازنات البحر الأسود تشكل نقاط ضغط مستمرة على الأمن التركي وفي مصر أطراف حدودية غير مستقرة وامتدادات عدم الاستقرار في الجوار المباشر وتهديدات للأمن المائي والطاقة تستنزف جزءاً من طاقتها الاستراتيجية وفي الحالتين الأطراف المحيطة تُستخدم كأداة لضبط مركز القرار..
وفي تركيا هشاشة العملة والاعتماد على التمويل الخارجي وحساسية الأسواق للمخاطر السياسية..
وفي مصر ضغوط التمويل الدولي وارتباط المؤسسات الدولية والحاجة للتوازن بين الاستقرار والتنمية والنتيجة واحدة الاقتصاد يتحول من محرك للصعود إلى أداة لضبط الصعود..
في تركيا بناء قاعدة صناعات دفاعية محلية ومشاريع الطائرات المسيرة والمقاتلات المحلية وفي مصر تنويع مصادر التسليح وتوازن بين الشركاء الدوليين للحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي وفي كلا المسارين القوة مسموح بها لكن ضمن سقف لا يتحول إلى استقلال كامل..
لذا هناك مخاطر متوازية أمام أنقرة والقاهرة ففي تركيا يتم استخدام (قسد) ليس لإقامة دولة كردية فقط بل لخلق ثقب أسود يستنزف الميزانية التركية في حرب استنزاف أبدية تمنع أنقرة من توجيه فوائضها المالية نحو الصناعات فائقة التطور وهذا يعني استنزاف دائم عبر الأزمات الحدودية واحتواء اقتصادي يبطئ استقلالها الاستراتيجي واحتمالية التحول إلى قوة تنفيذية ضمن ترتيبات دولية لا تقودها..
وفي مصر يتم التعامل معها كصمام أمان للطاقة ولكن! هي محاولة لمنع القاهرة من الوصول إلى تكنولوجيا التسييل السيادية بالكامل لتبقى دائماً بحاجة لشركاء أوروبيين أو إسرائيليين لتصدير غازها وهو ما يُسمى بالتبعية الهيكلية وتثبيت دورها كممر لا كمركز قرار وإدارة الأزمات بدلاً من صناعة التوازنات وربط الاستقرار الداخلي بسقوف خارجية للدور الإقليمي..
الخطر المشترَك تحويل الدولتين إلى لاعبين ضروريين لكن غير حاسمين، فما تواجهه تركيا اليوم وما تعايشت معه مصر وما واجهته إيران سابقاً لا يبدو مشروع إسقاط دول بل مشروع ضبط الصعود والسماح بالبقاء مع منع التحوّل إلى قطب مستقل..
الخلاصة.. تجربة إيران أثبتت أن الدور يمكن ضبطه دون إسقاط الدولة ومسار مصر أظهر أن الاحتواء قد يكون ناعماً لكنه عميق..
واليوم تقف تركيا ومصر أمام اختبار مشترَك ليس بين البقاء والسقوط، بل بين صعود مستقل أو صعود مُدار ففي عالم يتجه نحو ضبط القوى لا كسرها تصبح المعركة الحقيقية للدولتين حماية حرية الدور وليس مجرد الحفاظ على الدولة نفسها..
وأطرح هنا سؤالاً مفتوحاً هل تستطيع أنقرة والقاهرة تحويل الضغوط إلى لحظة إعادة تموضع تاريخية تؤسس لاستقلال القرار؟!.. أم ستجدان نفسيهما داخل معادلة الاحتواء الصامت ذاتها التي أعادت تشكيل أدوار قوى صاعدة قبلها؟!
برأيي الحل الممكن هو التحالف الحقيقي بين القاهرة وأنقرة لكسر التفكيك الصامت فإذا اجتمعت القوة الصناعية التركية مع العمق الجيوسياسي والمائي المصري سينهار سقف الدور المفروض عليهما لأن العقيدة الغربية تقوم على إبقاء الدولتين كخطوط متوازية لا تلتقي وتشغلهما ببعضهما أو بملفات حدودية
فالقوى الدولية تنجح حقيقة في حصار تركيا لأنها دولة تبحث عن طاقة ومجال حيوي وتنجح في حصار مصر لأنها دولة تمتلك طاقة ومجالاً حيوياً وتبحث عن تقنية سيادية والتقاء التقنية العسكرية التركية مع الشرعية الجيوسياسية المصرية يعني كسر احتكار القوة في المتوسط فإذا صنعت تركيا المحرك وصنعت مصر الهيكل ووفرت الممر والغطاء العربي فإن سقف الدور لن ينحني فقط بل سيتحطم فالتقاء الخطين يحول المنطقة من ساحة نفوذ للقوى الكبرى إلى مركز ثقل مستقل وهذا التحالف يجعل من (قسد) في الشمال و(سد النهضة) في الجنوب أوراقاً محروقة لأن الدولة المركزية (أنقرة والقاهرة) ستملك كتلة حرجة من الضغط لا يمكن تجاهلها.


*سياسي يمني.
تمت طباعة الخبر في: الأربعاء, 04-نوفمبر-2026 الساعة: 03:45 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68581.htm