بقلم/ عبدالله البردوني - قال العرب: ثلاثٌ تبيّن معادن الرجال.. الحرب، والفقر، وحب المرأة..
فمَنْ صبر على الحرب غلبها، ومَنْ ملك نفسه عند الفقر غلب الفقر وغلب مالكي الغنى، ومَنْ ملك ناصية نفسه عند حب المرأة كان عقله سلطان قلبه وكان قلبه سلطان لسانه..
والذي يهم في هذا الموضوع هو الحرب، فقد برهنت تجارب الشعوب أنها تشذب الزوائد من الحياة كما تُشذب الأشجار لكي تنمو أفضل، كما حقق الاستقراء أن الحرب تستنزف الدم الفاسد وتستنبت الأبطال، وأنها إذا طالت جلت الغيوم والغبار عن الوجوه الأصيلة وعن الشعب الحقيقي..
ولم يجرب شعبنا الحروب العامة إلا ثلاث مرات، مرة في غزوة إرباط بعد الميلاد بقرن واحد، ومرة في مصارعة الاحتلال العثماني في العقد الثاني من القرن العشرين، ومرة في حروب تهامة عام 1934م وهي التي تسمت بحرب الانسحاب..
بعد 1934م كانت الحروب مجرد عشائرية أو بيتية تشعلها أتفه الأسباب وتخرجها أولى المصالحات، حتى أهلت ثورة 26 سبتمبر استدعى الواجب الشعبي أن يحارب الكل. الشعب من أجل كل الشعب. فتعبأت الجماهير من نفسها وتطوعت إلى المواقع..
في ذلك الحين تبدّى أن الذي ولدوا في أول الأربعينيات هم الذين قاتلوا إلى جانب الثورة في صبيحة الستينيات، وكادت الحرب أن تكون احتكارية على الجيش وعلى بعض القطاعات القبلية حتى حدثت هجمة ديسمبر 1967م على صنعاء..
هناك أعلنت التعبئة العامة نفسها فانجرفت المدارس والمتاجر والبيوت إلى المعركة، وكان شباب المدارس طليعة الطليعة، ذلك أن دروة خمس سنوات قد أنبتت جيشاً محارباً إلى جانب الجيش الذي ثار وحارب الحروب التي تصدت للثورة..
في عام 1967م أشعل المعركة الذين ولدوا في الخمسينيات، إذ أصبحوا تلاميذ في أول الستينيات، وتلاميذ محاربين بعد منتصف الستينيات.. فقد شكلت المقاومة الشعبية عماد القوات المسلحة والأمن، إذ كان عدد الجيش والأمن لا يزيد على 12 ألفاً ضُباطاً وجنوداً..
وقد كانت الهجمة مفاجئة أي في غياب القوات القبلية التي قاتلت إلى جانب الجيش والأمن، فكان شباب المدارس هم الجيش الثاني أو السند الأول للجيش، وكان شباب الثانوية في ربيع القوى الجسدية وفي صيف القوى العقلية، لأنهم دخلوا المدرسة تحت ضوء جديد وفي ظل تعليم ثوري وفي عصر ثقافة ثورية، فكان الطلاب في مستوى المهمة وعياً وعملاً..
وكان ضباط الجيش في غاية شرف المسئولية في حسن تدريب الطلاب، فلم يزجوا بهم إلى الحروب من أول أسبوع كما فعل الضباط الأوائل في أواخر 1962م حين زجوا بالحرس الوطني قبل أن يملك أساليب القتال..
ولعل بطل هذه الحلقة جمال سيف نموذج مهم من النماذج البطولية الثقافية..
التحق جمال سيف بالثانوية العامة بصنعاء عام 1966م عن إعدادي أخذه في الحديدة وصدقت عليه مديرية التربة بتعز، لأنه تعلم الإعدادي في مدينتين..
وكان في بداية عهده بالثانوية قارناً ثاقب الاختيار كما دلت مذكراته، لأنه قال لأحد أساتذته العرب عام 1966م: "ليس كل كتاب ثقافة، ولا كل حبر على ورق يصلح للقراءة، يجب إيثار الثقافة المختارة"..
وعندما تجند كان ملماً بتواريخ المقاومات الشعبية التي عاصرت المقاومة الشعبية اليمنية والتي سبقتها..
تعين مع دفعته في المقاومة التي عسكرت بالمطار وقال: "بعد أسابيع لن نحتاج إلى حماية المطار، لأننا سنضطر إلى الدفاع عن المدينة؛ قيل له ولماذا ؟، قال بعد أيام ستقصفنا الطائرات كما تقصف اليوم الثوار الفتناميين" وهذا القياس يدل على متابعة أحداث العالم ومعرفة تشابه الأحداث مادام صانعها عدو واحد..
أراد جمال سيف، أن يسجل كل ظاهرة انتصار وكل بطولة نادرة فكان يسجل ما أمكنه التسجيل ويبعثه إلى مجلة الجيش..
كتب مرة رسالة مطولة عن عبد الله محمد العلفي، كيف خاض الغمار وهاجم معسكراً يُعد أفراده بالمئات ثم رجع وضل الطريق ووقع في كمين ثم تماوت فظن الكمين أنه قد مات، وعند بزوغ الشمس جاء عبدالله محمد العلفي سليماً معافى ولكن منتصراً، فقد أوقع الهزيمة في المعسكر الذي كانت تصل قذائفه إلى المطار. تلك أيام جمال سيف في المطار.
انتقل جمال سيف من المطار لأسباب غير معروفة، وربما كان السبب تركيز الهجوم على الأزرقين الذي انتقل إليه، وكان فيه كما كان شجاعاً مستزيداً خِبرة..
تذمر زملاؤه في الأزرقين، من البندقيات التشيكية، لأن أضواء رصاصها تدل العدو، فقال جمال سيف: "لكننا نلاحظ العدو يطمع في البندقية التشيكية أكثر مما يطمع في غيرها، عندما نقذف رصاص البنادق التشكيلية لن يبقى عدو يطمع في بنادقنا"..
وكان يعوّل على قائد الموقع في سرعة هجومهم على معسكر الأعداء، كما دلت قصيدة بعثها من الأزرقين إلى مجلة الجيش..
التي يذكر فيها انتظار أوامر الهجوم من ضابط يسمى هزاع والقصيدة كثيرة الزّحافات والعلل إلا أن فيها أبياتاً مستقيمة الأشطار، وأن اختلفت بعض البحور..
كقوله:
وستين ليلة في الأزرقين
تأكدوا لا بد أن ننتصر
نقُول يا هزاع هاجم بنا
في أي حين ما الذي ننتظر
البندقيات بأيماننا
بأي عذر بعدها نعتذر
ويقول زملاؤه إنه كان حلو الحديث يطرح أراءه بلا تعصب وإنما كان مقنعاً ومسلياً. ويقص عن نفسه أنه دخل الابتدائي وعمره 10 سنوات وأن قامته كانت تساوي قامة الأستاذ.
ولم يأنف أن يتعلم في الابتدائي مع من هم أصغر منه سناً. أما في الثانوية فقد كان يبدو في التاسعة عشرة أو العشرين، إلا أن بعض الناس يبدون أصغر من سنهم أو أكبر.
وليس المهم السن فقد كان جمال سيف بفهمه وتفهمه يبدو في الخمسين نتيجة وفرة أخباره ولباقة حديثه ودرايته بالأحداث ونتائجها.
* * *
لم يدخل جمال سيف الحرب بمجرد العدوى الثورية، ولا بدافع ضرورة الدفاع عن الوطن، وإنما يبدو أنه اختارها كما كان يختار مقروءاته من الكتب وأصدقاءه من الناس، لأنه كان يقاتل عن دراية وينضبط عن فهم عسكري، وإن كانت له آراء فيبديها بعد أداء المهمات مع زملائه.
قال عنه أحمد سالم المعمري، أنه مثقف وأنه يسمى بين زملائه بالشاعر.
وبعد أن انتقل مع دفعته من الأزرقين إلى الهجوم على عيبان عقد زملاؤه أمسية يؤبنون فيها الشهداء من الجيش والجيش الشعبي والمقاومة.
وطلبوا من جمال سيف أن يقول قصيدة، فقال لن أقول قصيدة ولكن أكتب رسالة إلى الشهداء..
"ها نحن نغادركم من الأزرقين إلى عيبان وأخبركم أن طريق الحديدة على وشك الافتتاح، فقد وقع الأعداء بين قوتين من قواتنا.. جاءت قوة من الحديدة وقوة ستهاجم من حدة وصنعاء... بمناسبة الحديدة وصنعاء أسألكم هل في العالم الثاني الذي تسكنونه بر وبحر ..؟ إذا كان هناك بحر فابعثوا لنا سمكاً فقد انعدم في صنعاء هذه الأيام، ربما يتبعكم منا كثير فالمعركة شرسة وهناك دانات تصل إلى صنعاء، بالمناسبة أسألكم هل في العالم الذي أنتم فيه دانات أو مدافع؟ وهل هناك جمهوريون وملكيون؟ أوصيكم جمهروا مرة ثانية ولو في القبور .. لقد تظاهرنا معاً ضد اللجنة الثلاثية التي جاءت للتصالح في أكتوبر وبمناسبة ذكر الجامعة العربية التي بعثت اللجنة، بودي أن أسألكم هل في عالم الموتى جامعة عربية وأمم متحدة ومجلس أمن..؟ أفيدوا والسلام.
الدفعة السابعة .. جمال سيف.
ظن المعسكر أنه كان ينكت أو يتفكه بعجز المنظمات الدولية عن إحلال السلام، وقل من فطن إلى أنه يقوم سياسة العالم من خلال المقارنة بين الحياة والاستشهاد.. وبعد تأبينه زملاءه بليلة سقط جمال سيف ليلة أول هجوم على عيبان كاتباً بدمه ملحمة الخلود وشهادة النصر التي لا تمَّحي.
|