فيروز الولي - تشريح نفسي– سياسي لسلطة تُرهِب شعبها وتُدلِّل الخارج..
لو أن هؤلاء “الزعماء” امتلكوا نصف الشراسة التي يمارسونها على المواطن، ووجَّهوها نحو التنمية، وبناء الدولة، وتشييد البنى التحتية، لكانت اليمن اليوم دولة تُحترم لا ساحة تُنهَب..
لكنهم – للأسف – اختاروا معركة أسهل: إرهاب الداخل وخدمة الخارج..
هم أبطال فقط حين يكون الخصم شعبًا أعزل،
وأقزام حين يكون الطرف الآخر سفارة، أو بنكًا دوليًا، أو دولة مانحة..
أولًا: البعد النفسي – عقلية الشعور بالنقص
هؤلاء لا يحكمون بعقل الدولة، بل بعُقدة نقص مزمنة..
يعوّضون فشلهم التاريخي في بناء وطن بالقمع، والتهديد، والتعالي الخطابي..
يريدك خائفًا… لأنهم في الحقيقة خائفون..
يريدك فقيرًا… لأنهم بلا شرعية سوى الفقر الذي يصنعونه..
الزعيم عندنا لا ينام إلا إذا:
نام المواطن جائعًا..
وسكت المثقف..
وصار الفساد “وجهة نظر”..
وصار الولاء أهم من الكفاءة..
ثانيًا: البعد الاجتماعي – شعب يُقمع ثم يُطالَب بالتصفيق
المشهد عبثي: شعب ذاق عقاب القبر والبرزخ ونار جهنم في حياته اليومية:
راتب مقطوع.. خدمات منهارة.. تعليم مَيّت.. صحة محتضرة..
ثم يُطلب منه أن يهتف:
“هؤلاء زعماؤنا!”..
نعم.. هم زعماء عليك، لكنهم خَدَم عند غيرك..
ثالثًا: البعد الثقافي – ثقافة الطبل بدل ثقافة السؤال
تمت شيطنة السؤال، وتجريم النقد، وتسفيه الوعي..
صار المثقف “مندسًا”،
والصحفي “عميلًا”،
والقاضي “مزعجًا”..
بينما اللص يُكرَّم، والمطبّل يُكافأ..!!
تحوَّلت الثقافة من قِيَم وطنية إلى:
شعارات جوفاء.. أناشيد موسمية.. وخطابات خشبية لا تطعم جائعًا ولا تبني طريقًا..
رابعًا: البعد السياسي – سلطة بلا دولة
لا مشروع وطني، لا رؤية، لا خطة..
فقط إدارة أزمة.. ثم إدارة فشل.. ثم تبرير انهيار..
السياسة عندهم:
محاصَصة.. تدوير وجوه منتهية الصلاحية.. صراع على المناصب لا على البرامج..
الدولة غائبة، لكن الحسابات المصرفية حاضرة.. وكلها بالخارج..
خامسًا: البعد الاقتصادي – وطن مفلس.. وزعماء مليارديرات
اقتصاد يُدار بمنطق:
“انهب اليوم.. واهرب غدًا”..
الثروات تُستنزف.. الموارد تُهرَّب.. العملة تُدمَّر..
بينما العقارات في الخارج.. الحسابات متخمة.. وأبناء الشعب يتقاتلون على كيس طحين..
سادسًا: البعد العسكري والأمني – سلاح ضد المواطن لا ضد العدو
السلاح لا يُرفع للدفاع عن الوطن، بل لإخضاع المواطن..
الجيوش مجزَّأة.. والولاءات متصارعة.. والعقيدة الوطنية مفقودة..
الأمن صار:
قمعًا لا حماية.. نقاط جباية لا نقاط أمن.. وملفًا سياسيًا، لا حقًا دستوريًا..
سابعًا: البعد الدبلوماسي – سيادة للبيع
في الداخل:
“نحن أصحاب القرار”
في الخارج:
“أمركم.. تَفضَّلوا”
سيادة تُستبدَل ببيانات.. وكرامة وطن تُرهَن بدعم مشروط..
والقرار الوطني يُدار من خارج الحدود..
ثامنًا: البعد الإعلامي – ماكينة تزييف
إعلام يلمّع الفشل، ويصنع من الهزيمة “إنجازًا”.. ومن الخراب “مرحلة انتقالية”..
كل شيء قابل للتبرير..
إلا الجوع، فهو الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن تغطيتها..
تاسعًا: البعد القانوني والدستوري – دولة بلا عدالة
الدستور معلق.. القانون انتقائي.. والمساءلة “كلمة أجنبية”..
القوي فوق القانون،
والضعيف تحت الجميع..
الخاتمة:
لو أن هؤلاء الزعماء تباروا في خدمة المواطن
كما يتبارون في قهره،
ولو أرهبوا الفساد بدل إرهاب الشعب، ولو نافسوا في بناء المدارس والمستشفيات بدل بناء الفلل بالخارج، لَما احتاج اليمن لكل هذا الصراخ..
لكن الحقيقة المؤلمة:
هم زعماء فقط حين يكون الخصم شعبًا..
وخَدَم مطيعون حين يكون السيد خارج الوطن..
أما الشعب فما زال يُصفّق، على أمل أن يسقط من المائدة كيس طحين.
|