الميثاق نت -

الجمعة, 30-يناير-2026
أحمد غراب -
الحكاية حصلت فعلاً.. في سوق القات، نزل رجلٌ ثري من سيارته الفخمة.. كان حضوره لافتًا؛ ملابسه أنيقة، وخطواته واثقة، وكأن المكان يفسح له الطريق رغم الزحام.. ما أن لمحَه المقوّت حتى ناوله كيس قات كبير، وقال بثقة حاسمة: «أربعين ألف.. نهاية»..
قبل ان يمدّ الرجل الثري يده إلى جيبه ليُخرج المبلغ شعر فجأةً بيدٍ غريبة تنساب إلى جيبه وتنسحب بخِفة وسط الازدحام.. لم يحتج إلى كثير من التفكير ليدرك ما حدث وقبل أن يلتفت، كان السارق قد شق طريقه خارج الجموع، يفرّ بما أخذ..
بلا تَردُّد، رمى الرجل القات من يده، وانطلق خلفه.. لم تدم المطاردة طويلًا؛ لحق به بعد مسافة قصيرة.. كان السارق رجلًا نحيفًا، هزيل الجسد، مرهق الملامح، كأن التعب سبق خُطاه بسنوات.. أمسك به، فسقطا معًا على الأرض.. انهال عليه ضربًا وهو يهتف: «سارق.. سارق»..
تَجمَّع المارّة سريعًا، وارتفعت الهمهمات، واختلط الفضول بالغضب.. كان الرجل يتأوّه من الألم، ثم فجأةً تَـغيَّر كل شيء.. توقَّف الرجل الهزيل عن المقاومة، وانفجر بالبكاء.. أخرج المبلغ من يده المرتجفة، ورفعه نحو الرجل الثري وهو يصرخ بصوتٍ مكسور، خرج من قاع الحاجة، لا من فم سارق: «مش حرام تشتري قات بأربعين ألف وأنا مش لاقي أكل لعيالي؟ تعال معي للبيت وشوف حالهم»..
في تلك اللحظة، خيَّم صمت ثقيل على السوق.. صمتٌ أثقل من الضجيج والزحام، صمتٌ كشف ما حاول الجميع تجاهله.. لم تعد الحكاية قصة سرقة، بل مِرآة لفجوة موجعة بين وفرةٍ تشتري المتعة، وفقرٍ يسرق ليحيا..
كأن السوق كله توقَّف لحظة، عاجزًا عن الإجابة عن سؤالٍ بسيط في كلماته، عميقٍ في وجعه: أيهما الجريمة الحقيقية؛ سرقة المال، أم سرقة الحياة من أفواه لا تجد قوت يومها ؟!
تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 03-نوفمبر-2026 الساعة: 05:58 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68406.htm