الميثاق نت -

الإثنين, 19-يناير-2026
د. عبدالوهاب الروحاني -
ذلك هو كما عرفتُه أول مرةً في صنعاء في سبتمر 1986م، لم يتغير شيء في حضوره وحيوية نشاطه.. لم يستكِن، ولم تنل منه العواصف رغم كثرتها وجورها عليه.. علي ناصر محمد، رئيس ورجل دولة احترمه كثيراً، وأُقَدّره لثلاث:
الأولى: كان جزءاً مهماً من معادلة الوحدة والتحضير لها، وحين اشترط خصومه من الرفاق مغادرته المشهد والبلاد (1990م) قَبِلَ وغادر من أجل الوحدة، فانتصر هو، وهم خسروا..
الثانية: ظل متمسّكاً بالوحدة ورفض الانفصال كما رفض الحرب وقاومها، واختلف مع الرئيس صالح، لكنه كان خلاف الرجال..
الثالثة: لم يتغير أو يتبدل بتَـغـيُّر الأحداث وتَبدُّل المواقف، وإنما ظل على الموقف يتنفس وطناً ويغرّد للوحدة والسلام..
الرئيس علي ناصر محمد.. رَجلٌ بحجم وطننا الكبير، الذي فقد أبرز رجالات الدولة حين باعه الصغار ليكبروا، لكنهم ظلوا صِغاراً بلا هوية ولا وطن، فسقطوا وأسقطوا معهم اليمن بين مخالب الذئاب..
التقيتُهُ قبل بضعة أشهر في القاهرة، لا يعيش متنقّلاً في القصور وبين الحراس والخدم والحشم كما يعيش الطارئون على سلطة اليوم، بل يعيش في شقة متواضعة بها نَفَسٌ من روح اليمن، وعبق التاريخ في صنعاء وحضرموت، ونوادر الطبيعة في سقطرى.. قهوة بُن يهر ووديان لاعة وسردود تجدها في فنجانه وفناجين ضيوفه..
كم أكبرتُ هذا الرجل.. شخصية كبيرة بكبر اليمن، متواضع وملهم.. يمني ممتلئ بساطةً وثقافةً، ووطنيةً وانتماءً.. ذو ذهنية حاضرة حَدَّ الإبهار، لم يتوقف عند زمنه القديم حين كان رئيساً منفتحاً.. تَمرَّد على الجمود والانطواء وسعى للتعاطي مع مجتمعه ومحيطه بروح العصر فاصطدم بقوالب جامدة فجَّرت الوضع في أصعب المراحل تَشَنُّجاً واضطراباً بين الرفاق.. وهنا لن أخوض كثيراً، فلمحكمة التاريخ فيها قولٌ وفصلٌ..
لم يسمح علي ناصر محمد للماضي بأن يبتلعه، بل ظل على تَواصُل مع الجديد، ولم يسايره فقط بل جَدَّد ذاته فيه، فانصرف للبحث والتدوين والتأليف، قدَّم خلاصة تجربته في المقاومة والإدارة والسياسة، وظل حاضراً بجمال ما يفكر به، وبقدرته على تقديم رؤى لم يجانب كثيرها الصواب..
رفاقه غيَّروا جلودهم ألف مرة ومرة، ذهبوا من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وطلبوا الله من أقصر الطرق، وارتضوا بما "أدى الله"، لكنه ظل على المسار الذي اختطه لنفسه، يدعو للملمة الشتات ووحدة الصف، والتمسُّك بصناعة السلام..
أجمل ما سمعتُه منه مؤخراً وهو يقول لقناة مصرية: "الحل ليس بالانفصال، إذا حدث انفصال، اليمن ستُمَزَّق، سيتشظى، الجنوب الآن ما أحد قادر يحكمه؛ فالحل هو بالحفاظ على الوحدة، واستعادة النظام برئيس واحد وحكومة واحدة"..
الرئيس علي ناصر (رعاه الله) عبق من وطن ووحدة ودولة وسلام نبحث عنه في زمن تُباع فيه الأوطان بأرخص الأثمان..
والعاقبة للمتقين.
تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 03-نوفمبر-2026 الساعة: 08:41 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68386.htm