إبراهيم ناصر الجرفي - لقد اعتنى المنهج الإسلامي أيما عناية بالكرامة الإنسانية.. فمَنْ يبحث في هذا المنهج الرباني العظيم سوف يُصاب بالدهشة والذهول لمدى اهتمامه بالإنسان كمخلوق كرمه الله تعالى بالكثير من صور التكريم دُوناً عن بقية المخلوقات.. قال تعالى ((ولقد كرَّمنا بني آدم))، طبعاً التكريم هنا للرجال والنساء على حد سواء.. وفي ذلك يقول الدكتور عبدالرحمن نحلاوي "الكرامة الإنسانية في الإسلام هي: تربية الإنسان على التحرُّر من الظلم، لأن الله تعالى كرَّم الجميع بالانتماء إليه، وولايته، وعدله، وخلقهم متساوين أحراراً، ففِيمَ الذل، وفِيمَ الظلم، وفِيمَ الخضوع لغير ما أمر الله تعالى.. وفِيمَ يستعبد الإنسان أخاه الإنسان؟!..
وشعور الإنسان بكرامته، يعني تحرير قلب الإنسان وعواطفه وانفعالاته من القلق والمخاوف؛ ويعني هذا الشعور تربية المجتمع على مبدأ الكرامة الإنسانية، وبهذه التربية ينظر الإنسان إلى أخيه الإنسان نظرة احترام وتعاون ومساواة، لا نظرة استعلاء أو تَذلُّل، فتنتفي المظالم، ويصبح الناس سعداء، يعرف كل منهم حقه وحَده، وواجبه، ويعرف كيف يتعاون، ويتشاور ويتعايش مع أخيه الإنسان"..
ومن صور التكريم الإلهي للإنسان كما وردت في التشريعات الإسلامية ما يلي: التأكيد على أن الروح الإنسانية هي نفخة من روح الله تعالى.. قال سبحانه وتعالى ((ثم سَوَّاه ونفخ فيه من روحه))، وهذا يقودنا إلى ضرورة المحافظة على حياة الإنسان، وعدم الاعتداء عليها أو إزهاقها بدون وجه حق.. وما تقوم به الدول والجماعات المتعصّبة والمتشدّدة والمتطرّفة في جميع أنحاء العالم من أعمال إرهابية يترتب عليها إزهاق الأرواح البشرية البريئة بالجملة، يتناقض تماماً مع ذلك التكريم الإلهي.. وكرَّم الله تعالى الإنسان بأن خلقه في أحسن وضع خلقي، وفي أجمل هيئة وصورة، قال تعالى ((لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)) .. ((وصوَّركم فأحسن صوركم)).. وكرَّم الله تعالى الإنسان بأن أمر ملائكته الكرام بالسجود لأبي البشرية آدم عليه السلام، طبعاً سجود تكريم وليس سجود عبادة، قال تعالى ((وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا))..
وكرَّم الله تعالى الإنسان بالعقل، وفي ذلك يقول الدكتور أحمد رجب الأسمر (العقل يمنح الإنسان القدرة على التفكير والتدبُّر والفهم، والقدرة على الاختيار والتمييز بين الخير والشر، والقدرة على اكتساب العلم والمعرفة، قال تعالى ((وعلَّم آدم الأسماء كلها)).. ((علم الإنسان ما لم يعلم))، وبذلك فإن العقل يُعتبر من أهم معايير التكريم الإلهي للإنسان، لما فيه من كمال الذات وإدراك الوجود وتصريف الأمور )..
وكرَّم الله تعالى الإنسان بأن سخَّر له كل ما في هذا الكون الواسع من سماء وأرض ومخلوقات، كلها في صالح الإنسان وفي خدمته، وتحقيق المنافع له، قال تعالى ((وسخَّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه))..
وكرَّم الله تعالى الإنسان بأن اختاره دون غيره من المخلوقات على كثرتها، ليكون خليفةً له على الأرض، قال تعالى ((وهو الذي جعلكم خلائف الأرض))..
وكرَّم الله تعالى الإنسان بأن أسبغ عليه النعم الكثيرة الظاهر منها والباطن، والتي لا تُعد ولا تُحصى، قال تعالى ((وأسبغ عليكم نعمه ظاهرةً وباطنة))..
وكرَّم الله تعالى الإنسان بحرمة قتله وإزهاق روحه بدون وجه حق، وفي ذلك تأكيد على الحرمة الكبيرة للنفس البشرية، قال تعالى ((ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلا بالحق))، فما بالنا اليوم ونحن نشاهد الدول والأنظمة السياسية والجماعات المتشدّدة والمتطرّفة والجهات المتصارعة على السلطة حول العالم، وهي تتفنن في إزهاق الأرواح البشرية المدنية البريئة بدون وجه حق، في مخالفة صريحة لشرع الله تعالى، ولحرمة هذه الأرواح عند الله، إرضاءً فقط للأهواء والنزوات والتعصُّبات والأطماع السلطوية..
وكرَّم الله تعالى الإنسان على سائر المخلوقات، لما منحه من قدرات وطاقات وإمكانيات، ليست متوافرة لغيره من المخلوقات، قال تعالى ((وفضَّلناهم على كثيرٍ ممَّنْ خلقنا تفضيلاً)).. ومما سبق ذكره يتضح لنا مدى تكريم الله تعالى للإنسان.. وفي ذلك يقول الدكتور أحمد رجب الأسمر (كرامة الإنسان في المنهج الإسلامي مصانة لا يجوز الاعتداء عليها من أي جهةٍ كانت، أو سلطةٍ كانت، ويقتضي هذا الحق حماية الفرد من الظلم والطغيان، وعدم مصادرة أي حق من حقوقه، أو تعريضه للأذى والإذلال، وعدم تحقير النفس بأي صورة من صور الإهانة والتحقير، سواءً أكان ذلك بالقول كالشتم والسّباب والغيبة والنميمة، أو بالعمل بتكليفه ما لا يطيق ومعاملته بما لا يليق)..
إن كل ذلك التكريم الإلهي للإنسان يجب أن يكون مدعاةً لنا جميعاً -كأفراد وجماعات وأحزاب وقيادات وحكام- إلى أن نحترم ذلك التكريم الإلهي، من خلال احترامنا لحقوق وحريات الإنسان، ومن خلال بث روح الإخاء والتسامح والتعاون والتعايش السلمي والتعارف الإيجابي بين جميع البشر، فجميعهم خُلقوا من أصلٍ واحد، قال تعالى ((يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة)).. وكل ما نشاهده ونعيشه من صور التمييز والتفريق العنصري والسلالي بين البشر في كل زمان ومكان، ما هو إلا عبارة عن اجتهادات وأفكار بشرية، ناتجة عن نزعة استعلائية عنصرية، تعمل على صناعة الفوارق الطبقية بين البشر، بهدف صناعة المزيد من الخلافات والتباينات والتعصبات، التي تقود إلى إهدار كرامة وحريات وحقوق الإنسان وتتعارض مع الشرع والعقل والمنطق والتكريم الإلهي للإنسان بصفته إنساناً.
*مقتطفات من كتابي "معالم المشروع الحضاري في الفكر الإسلامي"
|