الميثاق نت -

الإثنين, 19-يناير-2026
د. ناصر الدحياني -
إن الاختبارات المؤتمتة بصيغتها الحالية أصبحت تشكّـل خطرًا حقيقيًا على العملية التعليمية في كل جامعاتنا ومؤسساتنا التعليمية.. وأرجو من بعض قيادات الجامعات الحكومية، والخاصة أن تراجع نفسها، وضمائرها..
وأن تعود إلى الاختبارات غير المؤتمتة.. أنا لا أدعو إلى إلغائها كليًا أو العودة إلى الوراء، ولكن أدعو إلى مراجعة الضمير القيادي، والأكاديمي في هذه الجامعات، إلى إصدار تعميم يجعل (50٪) من التقييم والاختبارات للمقررات الدراسية مؤتمتًا، ويبقى (50٪) اختبارًا تحريريًا موضوعيًا مفتوحًا يساهم، ويتيح للطالب التفكير، والكتابة، والتحليل، وبناء الفكرة، والدفاع عنها علميًا..
لقد أثبت الواقع وبالتجربة أن الاعتماد الزائد على الاختبارات المؤتمتة يساعد على:
انتشار الغش بأشكاله المختلفة، ويُسهِم بشكل كبير في تجهيل الطلبة بدل تعليمهم، ويؤدي إلى ضعف مهارات الكتابة والتعبير العلمي لديهم، ويُفرِغ العملية التعليمية من جوهرها الحقيقي وتحقيق أهدافها..
لقد أصبح اليوم بعض الطلبة يتخرجون من بعض الجامعات وهم
لايجيدون الكتابة، ولا يمتلكون القدرة على صياغة فكرة علمية واضحة، وأصبحوا يتخرجون، وعقولهم خاوية من الفهم العميق، رغم حصولهم على تقديرات مرتفعة امتياز وجيد جداً.. مما يدل على أن هذه التقديرات لا تعكس مستوى حقيقيًا من الكفاءة لدى الطالب المتخرج..
في زماننا الماضي لم يكن الحصول على تقدير امتياز أمرًا سهلًا، بل كان نتيجة سهر، وجِد وجُهد، ومذاكرة حقيقية، وفهم عميق للمقرر.. وكان الامتحان يقيس الفهم والتحليل والقدرة على التعبير..
أما اليوم فقد أصبحت بعض التقديرات العالية تُمنح في ظل أنماط تقييم تقيس التذكُّـر السطحي أكثر مما تقيس التفكير النقدي، ولا تُعنى ببناء العقل التعليمي، والأكاديمي المتمكن القادر على التحليل والاستنتاج..
وإن بعض التجارب الدولية -أيها القوم ويا صُنَّاع القرار- أصبحت اليوم تؤكد هذا الكلام الذي أقوله وهذا الاتجاه، وسارعت إلى العودة إلى الاختبارات غير المؤتمتة..
والدليل أن هناك أنظمة تعليمية دولية رائدة، مثل فنلندا وألمانيا، وعدد من الجامعات في بريطانيا وكندا أعادت النظر في التوسُّع غير المنضبط في الاختبارات الإلكترونية أو المؤتمتة.. خاصةً بعد جائحة كورونا بعدما لاحظت ضعف مخرجات التعلم وارتفاع مشكلات النزاهة الأكاديمية، فراجعت حساباتها، وحكَّـمت ضمائرها وسارعت للعودة إلى استخدام نماذج تقييم متوازنة تجمع بين الأتمتة والاختبارات التحريرية والشفوية والتقييم المستمر..
وهذه الدول طبعاً لم ترفض التكنولوجيا، لكنها رفضت أن تكون بديلًا عن العقل الإنساني، وعن الكتابة والفهم والتفكير..
من هنا أرى أن مسؤولية قيادات الجامعات الحكومية، والخاصة لا تقتصر على تخريج أعداد كبيرة من الطلبة، بل تتمثل في بناء عقول قادرة على التفكير والإنتاج وخدمة المجتمع.. ومراجعة هذا المسار ليست ضعفًا، بل شجاعة أكاديمية، لأن التراجع عن الخطأ أقل كلفةً من الاستمرار فيه؛
والمكسب القليل الحلال أكثر بَرَكةً من المكسب الكثير الذي يدمّر النفوس العقول؛ ويكون سبباً وبلاءً على أصحابه في انتشار الأمراض فيهم، وتدمير أولادهم من بعدهم..
لهذا اتقوا الله في أولادنا حتى يحفظ الله أولادكم، وذريتكم.. ولا تأخذكم العزة بالإثم..
إني لكم من الناصحين، والمحبين.. رغم كراهية البعض لما أكتبه في بعض الأمور التي تهدف إلى إصلاح التعليم في مؤسساتنا التعليمية في وطننا اليمن الغالي..
ولكن التعليم أمانة، والطلبة مستقبلنا ومستقبل مجتمعنا.. والوطن لا يُبنى بشهادات وتقديرات عالية وعقول فارغة.
تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 03-نوفمبر-2026 الساعة: 08:40 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68377.htm