المستشار: أحمد علي جحاف - الصناعة… جوهر الدولة ومعيار نهضتها
ليست الصناعة قطاعاً اقتصادياً عابراً، ولا بنداً ثانوياً في دفاتر السياسات العامة، بل هي الرافعة الأولى للاقتصاد الوطني، والوعاء الجامع لكل الفوائض الإنتاجية الأخرى: زراعية كانت، أو معدنية، أو نفطية، أو غازية.
فكل ما في هذا الكون قابل لأن يتحول – بعقل الصناعة – إلى مادة خام، من التراب والرمال التي يُصنع منها الزجاج والسيليكون، إلى الماء والهواء حين يدخلان في سلاسل إنتاج معقدة.
والصناعات التحويلية، بطبيعتها، لا تضيف قيمة فحسب، بل تُضاعف القيمة، وتخلق فرص العمل، وترفع مستوى المعيشة، وتصنع المكانة السياسية والاجتماعية والثقافية للدول.
وليس من قبيل المصادفة أن تتحول أسماء المنتجات الصناعية الكبرى إلى جزء من لغتنا اليومية ووعينا الجمعي: من الموقد الذي نُعد عليه قهوتنا الصباحية، إلى السيارة، إلى المكتب، إلى الحاسوب، وصولاً إلى أدق تفاصيل الحياة.
هكذا صنعت الصناعة من دولٍ صغيرة دولًا عظمى، ومن مجتمعات هامشية قوى فاعلة في التاريخ.
وهكذا تحولت الولايات المتحدة إلى مارد اقتصادي، والصين – خلال عقود قليلة – إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، تؤمّن العيش الكريم لما يقارب ملياري إنسان.
■ الصناعة اليمنية.. حين يتكلم المثال لا الشعار
يقول علم من أعلام الصناعة اليمنية، الأستاذ محمد العودي، إن الصناعة تشكّل ما يقارب 80% من دخل الدول العظمى، حتى تلك التي تمتلك ثروات زراعية أو نفطية هائلة.
والصناعة – كما يختصرها العودي بدقة – قاطرة التنمية، ولكي تنطلق هذه القاطرة لابد أن يكون في ظهرها دولة.
من هنا، فإن الحديث عن الصناعة في اليمن ليس تنظيراً، بل حديث عن واقع قائم وإمكانات مثبتة.
فعندما نتأمل منتجات مثل:
تنور العودي، شولة العودي، أواني الطباخة، وبوتجاز العودي، فنحن لا نتحدث عن منتج محلي محدود، بل عن تجربة صناعية تنافسية شقّت طريقها إلى السوق اليمني، والخليجي، والمصري، ووصلت إلى الولايات المتحدة عبر الجاليات اليمنية، بل وحتى إلى البيت اليهودي اليمني في إسرائيل، لتعود بالعملة الصعبة، وتُسهم في دعم الريال وخدمة الاقتصاد الوطني.
وهذا المثال ليس استثناءً؛ فمنتجات مجموعة هائل سعيد أنعم، ومجموعة الكبوس وغيرها من الكيانات الصناعية اليمنية، تشهد لها الأسواق العالمية من شرقها إلى غربها.
■ صناعة الحديد.. حين تُوضع اللبنة الأولى لدولة صناعية
تجربة محمد العودي تؤكد حقيقة مركزية:
من ينجح في صناعة الحديد، فقد وضع حجر الأساس لبلد صناعي عملاق، لأن الحديد هو أمّ الصناعات وقاطرتها الأولى.
ولهذا رأينا سلسلة صناعات تبدأ بالتنور، لتصل إلى البوتجاز، وتتفرع بعدها صناعات أخرى.
وليس هذا نجاحاً اقتصادياً فحسب، بل مكسب بيئي واجتماعي:
حماية للبيئة من التحطيب الجائر، وقاية لليمن من التصحر، وتخفيف لعبء إنفاق المواطن الذي كان يستهلك دخله في شراء الحطب وقد لا يكفيه.
■ توطين الصناعة في زمن الحصار:
قرار سياسي بامتياز
في بلد يُدار تحت الضغط، وتُصاغ سياساته في ظل الحصار لا في أجواء الرخاء، يصبح توطين الصناعة فعلاً سيادياً لا مجرد خيار اقتصادي.
ومن هذا المنطلق، تأتي خطوات حكومة التغيير والبناء في صنعاء، بوصفها محاولة للانتقال من مفهوم الصمود العسكري إلى مفهوم أعمق وأكثر استدامة: صمود الاقتصاد.
لقد شهدت المرحلة الأخيرة حراكاً حكومياً لافتاً، تمثل في لقاءات مع رجال الأعمال والمستثمرين، وتشريعات قانونية، أبرزها قانون الاستثمار – رغم ما فيه من اختلالات – بما يعكس رغبة رسمية في الانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة بناء اقتصاد منتج داخل شروط الأزمة نفسها.
■ دلالات الحراك الحكومي: رسائل للداخل والخارج
هذا الحراك يبعث برسالتين واضحتين:
رسالة داخلية: أن الدولة، رغم شح الموارد، تدرك أن الاقتصاد لا يُدار بالشعارات، وأن رأس المال الوطني شريك لا خصم.
رسالة خارجية: أن الحصار لم يُنهِ القدرة على التفكير، ولا ألغى الطموح لبناء نموذج اقتصادي مختلف، ولو بحدوده الدنيا.
أما قانون الاستثمار، فيمثل – من حيث المبدأ – تحولاً تشريعياً مهماً يهدف إلى طمأنة المستثمر المحلي، وتبسيط الإجراءات، وإعادة الاعتبار للإنتاج بوصفه مدخلاً للسيادة الاقتصادية.
غير أن القوانين لا تُقاس بحسن نواياها، بل بقدرتها على النفاذ إلى أرض الواقع.
■ الإيجابيات المحسوبة لحكومة التغيير والبناء
في قراءة منصفة وهادئة، يمكن تسجيل الآتي:
كسر الجمود في العلاقة بين الدولة ورجال الأعمال.
إعادة وضع الصناعة في صدارة الأولويات الوطنية.
تشجيع الاستثمار المحلي بدل الرهان على رؤوس أموال خارجية شبه مستحيلة.
اتخاذ قرارات حمائية ذكية، مثل رفع التعرفة الجمركية على الواردات ذات النظير المحلي.
وهي خطوات، وإن بدت محدودة، إلا أن قيمتها تُقاس بقسوة الظرف لا باتساع الأثر.
المجد والخلود للشهيد الوزير المهندس معين المحاقري، والتوفيق للوزير النشيط عبدالجبار أحمد.. ما رأيته وسمعته من الاخ محمد العودي عن اهتمام الوزير وأفعاله بشأن الصناعة يجعلنا نتفاءل .
■ الإعلام وتوطين الصناعة: معركة الوعي
في 1|1|2026م انطلق عبر الإذاعة الاقتصادية برنامج «الصناعة.. قاطرة التنمية» وهو العنوان ذاته الذي اختصر به الأستاذ محمد العودي فلسفة التنمية، وبرعايته دُشّن البرنامج.
إن توطين الصناعة فعل قومي شامل، يجب أن يواكبه الإعلام، ويحضر في الخطاب الديني بوصفه من صميم العمل الصالح، وفي الندوات، والمقالات، والبرامج التوعوية.. وهذا المقال يأتي في السياق ذاته.
■ المعوّقات البنيوية: حين يصطدم الطموح بالواقع
رغم وجاهة الاتجاه، يواجه توطين الصناعة تحديات عميقة، أبرزها:
بنية تحتية منهكة:
طاقة مرتفعة الكلفة، كهرباء غير مستقرة، نقل ضعيف، ومناطق صناعية غير مؤهلة.
واقع مالي هش:
شح السيولة، ضعف النظام المصرفي، وغياب التمويل الصناعي طويل الأجل.
بيئة استثمارية عالية المخاطر:
الحرب، الحصار، تقلّب الأسواق، وضعف القدرة الشرائية.
إشكال تشريعي خطير:
تمثل في ما سُمّي بقانون منع المعاملات الربوية، الذي عطّل البنوك، وهجّر رأس المال، ووأد الاستثمار، رغم مخالفته لمقاصد الدين وجوهره.
وقد أثبتت مخرجات حلقة النقاش الموسعة (ديسمبر 2022م)، بحضور العلماء والخبراء وجمعية البنوك والغرفة التجارية، وموافقة سماحة مفتي الجمهورية، أن هذا القانون غير صالح للتطبيق، والتوصية بإحالته إلى لجنة من ذوي الاختصاص.
※ البنوك – بوظيفتها الاستثمارية – لا تُدخل الربا المحرم، بل تخلق تنمية ومصلحة عامة ومنافع لا حد لها للوطن والناس.
※ اثناء زيارة الوزير الشهيد معين المحاقري مصنع العودي ذكرت له مدى ما يشكله ذلك القانون كعائق كبير للاستثمار وكان رده إيجابياً قال (لست مع صنمية التشريعات).
■ تقييم سياسي–اقتصادي متوازن
إن حكومة التغيير والبناء لا تُقاس بمعايير الدول المستقرة، بل بمعايير القدرة على الفعل داخل الممكن.
الاتجاه صحيح، والنية السياسية واضحة،
لكن النجاح سيظل محدوداً ما لم تتحول الخطوات إلى مشروع دولة متكامل، بأولويات صناعية واقعية، وتخفيض حقيقي للضرائب والرسوم، وكبح الإفراط في الجبايات.
■ الخلاصة: صناعة تحت الحصار.. اختبار الإرادة
ما يجري اليوم هو محاولة جادة للانتقال من اقتصاد الصمود إلى صمود الاقتصاد وهي محاولة تستحق النقد البنّاء لا التثبيط والتقييم الهادئ لا التهويل.. فالرهان الحقيقي في: مصانع تعمل، سوق منضبط، وثقة متبادلة بين الدولة ورأس المال الوطني.
ففي زمن الحصار، لا تُقاس الدول بما تَعِد،
بل بما تستطيع أن تُنجز.. ولو بالقليل..
وحقيقة لا بد منها:
لا صناعة بلا سلام، ولا اقتصاد دون توافق وطني، ولا نهضة في ظل الارتهان للخارج.
رضا الله، وصالح الوطن، وكرامة الإنسان، وخدمة الإنسانية جمعاء .. تلك هي بغيتي العظمى.
|