الميثاق نت -

الإثنين, 17-نوفمبر-2025
محمد علي اللوزي -
تشهد المنطقة اليوم تحوُّلات عميقة ومتسارعة تُعيد رسم خرائط النفوذ وموازين القوى، وهي تحوّلات لا تبدو في صالح الرياض، خصوصاً حين يُعاد النظر في سِجِلها السياسي والسلوكي خلال العقود الأخيرة.. فالتاريخ القريب يحمل شواهد دامغة على سياسات وقرارات اتسمت بالغرور السياسي والغطرسة في التعامل مع الجوار العربي والإسلامي، واعتمادٍ مفرطٍ على المال والنفوذ لشراء الولاءات، بدلًا من بناء علاقات قائمة على الاحترام والمصالح المشترَكة..

لقد سعت السعودية، لعقود، إلى فرض رؤيتها على الإقليم بالقوة الناعمة حينًا وبالمال والسلاح حينًا آخر، مستندةً إلى اعتقادٍ راسخ بأن الثروة تمنحها حق الوصاية على الآخرين؛ إلا أن المتغيّرات الإقليمية والدولية الراهنة جاءت لتكسر هذا التصوُّر؛ فالمشهد العالمي لم يعد يتقبل منطق الكِبر والغطرسة، ولا سياسات “الهيمنة المالية” التي ثبت فشلها في أكثر من ساحة، من اليمن إلى لبنان، ومن السودان إلى سوريا..

إن سِجِلّ الرياض حافل بتجارب انتهت إلى نتائج عكسية؛ فحملات التدخُّل السياسي والتمويل السري وتوظيف المرتزقة المحليين، لم تجلب لها سوى كراهية الشعوب ونفور القوى الوطنية الحقيقية.. هذه السياسات التي بُنيت على “شراء الذمم” و“تمويل الخونة” لم تصنع حلفاء، بل خلقت أعداءً جُدُداً، وعمّقت عزلتها الإقليمية والدولية..

وإذا كان النفط والمال قد شكَّـلا لعقودٍ مظلة حماية للمملكة، فإن الواقع الجديد – بمتغيراته الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية – يجعل من هذا السلاح أقل فاعلية، إذ تتراجع أهمية الثروة المالية أمام صعود قِـيَم الاستقلال والسيادة الوطنية، وتتساقط التحالفات المصطنَعة أمام موجات الوعي الشعبي الجديدة التي لم تعد تُخدع بالشعارات أو الهبات..

لقد حان الوقت للقيادة السعودية كي تُراجع ذاتها بجرأة، وتتخلى عن أدواتها القديمة التي أثبتت فشلها، فنهج “الهيمنة والتكـبُّر” لم يعد صالحاً لعصرٍ تتغير فيه موازين القوة بسرعة غير مسبوقة.. استمرار السير في هذا الطريق لن يؤدي إلا إلى اصطدام مؤلم مع الواقع، وربما إلى طردٍ قاسٍ من المشهد الإقليمي إذا لم تُدرك المملكة أن زمن “الوصاية” قد انتهى..

إن النجاة من هذا المصير تبدأ من الاعتراف بخطورة النهج المتبع، والانتقال إلى سياسةٍ جديدة قائمة على الاحترام المتبادَل، والتعاون الإقليمي، والانفتاح على الآخر دون استعلاء.. فالدبلوماسية القائمة على الشراكة والتكامل هي وحدها القادرة على إنقاذ السعودية من دوامة الغطرسة التي تبتلعها تدريجياً، وإعادة تموضعها كدولة فاعلة لا متسلطة، شريكة لا متغطرسة، وصاحبة رؤية تنموية لا نزعة تسلُّطية..

ففي زمن التغيّر الكبير، لا مكان للكبر، ولا مستقبل للغطرسة، ولا نجاة لمن يصرّ على التمسك بأدوات الماضي في عالمٍ تجاوزها.
تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 03-نوفمبر-2026 الساعة: 02:26 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68080.htm