الميثاق نت -

الإثنين, 17-نوفمبر-2025
أحمد الشاوش -
أنْ يتحول التربوي الذي يجب أن يكون عنواناً للسلوك والرحمة والإنسانية، إلى وحش كاسر؛ والمعلّم الذي يجب أن يكون منارة إشعاع وقدوة يتمتع بالحكمة ورجاحة العقل والصبر تجاه أي مشكلة، إلى رجل مسعور وحيوان مفترس سلاحه العصا الغليظة وينقَضّ بما يملك من قوة وسادية وجبروت على طفل في إحدى المدارس بوحشية لا مثيل لها، فذلك ضرب من الجنون..

وشاهد الحال المأساوي أن تلك الواقعة جريمة مكتملة الأركان وأصبحت اليوم حديث الشارع اليمني وقضية "رأي عام"، بعد تلك المشاهد الخطيرة التي تدق ناقوس الخطر وتنذر بكارثة أخلاقية وانتشار الرعب والتسيُّب في صفوف الطلاب من المدارس بسبب أمثال هذه العاهات من المدرسين والمعلمين الذين يفتقدون إلى أبسط وسائل التربية والتعليم..

اطَّلعتُ وغيري من المتابعين لوسائل التواصل الاجتماعي على فيديو عنيف وفظيع وصادم التقطه بعض طلبة الفصل الدراسي ونشروه على مواقع التواصل الاجتماعي، وفيه مشاهد مروعة ولقطات صادمة، وفيه من الضرب والسحب والملاحقة وصراخ تلميذ "ضحية" في عمر الزهور ما يهز جبلي نقم وعيبان؛ والطالب المظلوم والضحية يهرب من بطش وجنون سفاح التربية والتعليم الذي تحوَّل إلى مسعور أمام بقية زملاء الطالب الذين صُدِموا وتجمَّدوا على كراسيهم من هول الموقف المرعب والجريمة النكراء.. والطالب المفجوع يستنجد بمَنْ ينقذه من القتل أو يغير عليه من إجرام تربوي وقسوة معلّم منزوع الرحمة وفاقد للقِـيَم الدينية والأخلاقية والقانونية والإنسانية..

لم يكتفِ التربوي المسعور والمعلم المجرد من الضمير بالضرب بالعصا بل واصل مهاجمة الطالب الضحية الذي لا حول له ولا قوة حاول الدفاع عن نفسه والإفلات من مخالب الوحش الذي كان يمسك برأسه ورقبته وجره أرضاً بصورة لا نراها إلا في عالم الحيوان والضواري المفترسة!!

المشهد صادم بكل ما تعنيه الكلمة، ولا أعتقد أنه يحدث لأول مرة، كما أنه سَبَّب للطفل الضحية صدمة نفسية رهيبة وعلامات وكدمات نستحي أن نقول إن هذا المعلم -الذي كاد أن يكون رسولاً- يمني أو عربي أو مسلم أو حتى إنسان طبيعي..

كما أن المشهد الرهيب في نظر المجتمع سبَّب حالة نفسية رهيبة لكافة زملاء الطالب في الفصل، وحالات من الرعب لدى الطلبة والآباء والأمهات والأخوات والبنات وكل مَنْ يريد أن يسجل أو يواصل تدريس أولاده في أي مدرسة حتى وإنْ كانت نموذجية، بعد أن شاهد طلبة الفصل وشاهدنا فيلماً تحت عنوان "إجرام معلم"..

صحيح أن هناك الكثير من التربويين والمعلمين يملكون منظومة من القِـيَم والعقل والحكمة والصبر والخبرة والكفاءة وقبل ذلك الرحمة والإنسانية، وحدثت الكثير من هذه الجرائم في دول عربية.. إلا أن بعض المعلمين اليمنيين تَجرَّد من كل هذه القِـيَم الفاضلة وتحوَّل إلى كارثة على أطفال وطلبة العِلم، وكارثة على البلاد، ومعول لهدم التعليم..

نرسل أولادنا بـ"كرامة" للتعليم في المدارس الحكومية والخاصة، وإذا بكرامة أبنائنا تُنتهك وتُنزع بالكلام الجارح والشتم والضرب والسحب واللطم، في غياب رقابة وزارة التربية والتعليم ومكاتبها التي تفضّل حالة الصمت والبيات الشتوي، والمشغولة بالخطابات السياسية..!!

صحيح أن هناك بعض الطلبة الفوضويين وتلاميذ غير مؤدبين نتيجة لسوء تربية بعض الأسر أو لصغر أعمارهم وطيشهم ومراهقتهم، لكن هناك أساليب وطُرقاً وقوانين وأنظمة لوقف كل طالب فوضوي عند حَدّه من خلال إجراء استدعاء الطالب أو ولي أمره أو إنذاره، حتى لو وصل الأمر إلى الفصل إنْ كان سلوكه سيئاً حمايةً للطلبة الآخرين؛ ولكن المشهد الذي رأيناه لا يعطي أي مدرس الحق في أن يتحول إلى جلاد على غِرار التصرفات والتجاوزات الطائشة في بعض الأجهزة الأمنية وأجهزة البحث الجنائي أو تنظيم داعش الإرهابي هنا وهناك مع بعض المتهمين أو الأعداء بما يخالف الشريعة..

حديثي عن هذه المشاهد العنيفة والصادمة والمسيئة ليس الهدف منه الإساءة إلى هذه الجماعة أو تلك الحكومة أو ذلك الحزب أو المدرسة الحكومية والقطاع الخاص أو توظيف واستغلال الحدث بقدر ما هو تسليط الضوء على قضية الساعة ووقف كل عبث وتجاوز وتفعيل الرقابة الصارمة وتطبيق العقوبة بكل من تسبب ويتسبب في ممارسة هذه الأفعال السلبية والإجرامية ضد أبنائنا الطلاب..

التساؤلات التي تُردد على لسان المجتمع اليمني وكل أب وأم: أين وزير التربية والتعليم في صنعاء أو عدن أو تعز أو مأرب من هذه القضية؟!.. وهل تم نقل المشهد الفظيع والرهيب والمخجل والمهين بأمانة له.. وأين دور مديري عموم مكاتب التربية والتعليم في الجمهورية اليمنية.. وأين دور مديري المدارس.. وأين وزارة الداخلية مما يجري.. وأين دور النيابة العامة مما حدث.. وأين دور نقابة المعلمين من المصيبة التي أحدثت شرخاً كبيراً في المجتمع وأصابته بالإحباط والخوف والقلق على أبنائهم.. وهل هناك من يريد بهذه الجرائم تطفيش وتفريغ المدارس من طلبة العِلم خدمةً لأجندة داخلية وخارجية، أم أن الجريمة تَصرُّف شخصي.. وما الأسباب التي دفعت تربوياً ومعلماً إلى اقتراف هذه الجريمة !!؟.

وأغرب من تلك الجريمة أننا لم نسمع بياناً توضيحياً صادراً عن كل تلك الجهات الرسمية وغير الرسمية، باعتبار هذه المأساة قضية "رأي عام" وتدمر النسيج الاجتماعي والأمن القومي..

والحقيقة أن هناك الكثير من هذه التجاوزات والتصرفات الصادمة في أكثر من مدرسة، من بينها مدارس طلاب وطالبات، وما خُفي كان أعظم ولكن لا تجد طريقها للنشر وفقاً لسياسة الصمت والحلول السلبية والخوف من لغة العيب ونظرة المجتمع السلبية..

أخيراً.. التربية والتعليم أمانة، وأطفالنا وبناتنا أمانة لدى كل مَدرسة ومُدرس ومُعلم، حتى وإنْ شاغب بعض التلاميذ المراهقين فهناك أساليب وطرق للتربية والتعليم وضبط كل طالب حركي أو مشاغب؛ وعلى كل مدرس ألا يعكس مأساته ومعاناته وضيق معيشته ومشاكله الأسرية وفشله ونفسيته المريضة على طلبة العلم والانتقام من جيل الغد؛ لأن الطالب الذي يتعرض لمثل هذه الجريمة وانتهاك كرامته وإنسانيته أمام خلق الله لن يستطع أن يمحو أو ينسى الألم والوجع والعنف والتعنيف والضرب والإهانة والتشهير أمام زملائه وعدم الاقتصاص له من معلم ظالم منزوع الضمير والرحمة..

لذلك سيتحول الطالب الضحية أكبر منتقم من المدرس مستقبلاً والتربية والتعليم التي لم تنصفه وتأخذ حقه وحق غيره من الطلاب والطالبات بالعدالة، وسيصبح بلا هوية ولا ولاء وطني لدولة لم تنصفه وفقاً لمقتضيات العدالة..

الشارع اليمني ينتظر اليوم إصدار بيان توضيحي عن هذه المأساة والجريمة التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي مثل كرة النار التي أفزعت وأحرقت قلب كل بيت وأب وأم وطالب وطالبة وتربوي شريف.. أملنا كبير.. مالم فالجهة المختصة تتحمل جزءاً من المسئولية.. فالحقيقة والمكاشفة والتوضيح أفضل وأجدر من الهروب وحالة الصمت القاتل بدلاً من استغلال وتوظيف الآخرين للحَدَث بما يخدم أجندة معينة لإثارة البلبلة والرعب في المجتمع اليمني.
تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 03-نوفمبر-2026 الساعة: 04:09 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68074.htm