الميثاق نت -

الأربعاء, 29-أكتوبر-2025
د. عبدالوهاب الروحاني -
بعث إليَّ برسالة بها لطف ومودة وإيجابية، قال ضمن ما قاله: "أنا من متابعي كتاباتك، ولِما أجدُ فيها من ميل وطني صادق ووازن، أنقل لك أمنية أن نسمع منك شيئاً تجاه الحزب الاشتراكي اليمني الذي يعيش الاحتفاء بذكرى تأسيسه.. ورسائل ما ينبغي وما لا ينبغي...."
رسالة أسعد، رشيقة، أنيقة، تفيض شباباً وحماسةً وحيويةً.. وجدتُ فيها تعبيراً جديداً عن منهج جديد لجيل جديد - أنا على الأقل - لم أعرفه في شباب الاشتراكي الذي درستُ معه، وتعاملتُ معه، وعملتُ معه منذ مطلع الثمانينيات.. فما الجديد؟!
الجديد في رسالة أسعد هو أنني وغيري تعوَّدنا من أغلب (وأكرر أغلب) شباب الاشتراكي وبعض مَنْ تبقَّى مِن كهوله، ادّعاء امتلاك الحقيقة، وشيء من "الشطح والنطح" إلى جانب توزيع عناوين ووصفات أهونها "التخلُّف والرجعية" لمَنْ ليس في طابورهم، تماماً كما كان ولا يزال يفعل ذراعه الأقصر "الناصري".. بالتأكيد الآية قد تغيرت، وما كان بالأمس أصبح اليوم نقيضه..!!
مؤخراً التقيتُ بصديقين قديمين تزاملنا في نواب (93و97م)، أحدهما اشتراكي والآخر ناصري، سألتُ الأول عن زمن النضال.. وهل الفكرة لا تزال قائمة، فقال بعد أن تَبسَّم، وبهدوء: "مناضلون من المهد إلى اللحد.. الفارق أننا كبرنا، وكُـلٌّ يناضل بطريقته".. فهمتُه وعذرتُه، فقد أدرك أن الزمن تغيَّر وتغيَّرت معه الخيارات.. واختار له طريقاً سهلاً..
أما الثاني وكان صديقاً لطيفاً أيضاً، رُقّـيَ عبثاً بعد 2011م إلى "مستشار الرئيس"، فنسيَ حتى رفاقه من كوادر تنظيمه، مع أنه لا سلطة له منها سوى السليط، كان ولا يزال مجرد "مستشار" باعتمادات من هنا وهناك..
سألـتُه هو الآخر، إذا كان ما يزال يزور ضريح عبدالناصر في القاهرة (بعد إثني عشر عاماً من السلطة والوجاهة وتغيير النظام)، أم أنه قد استبدله بزيارة البقيع؟!.. ورغم أن في سؤالي ترفُّقاً ورحمةً، لكنه ردَّ بغضب وانفعال شديد، وأسمعني نفس الأسطوانة القديمة، والوصفات إياها، فأشفقتُ عليه ومازحتُه ودعوتُ له ولي بحُسْن الخِتام..

عقول خاوية وبطون مليئة!!
الوضع قد تغيَّر، وتغيَّرت الخيارات مع القيادات التاريخية لهذه الأحزاب.. والفرق بين اليوم والأمس أصبح شاسعاً.. كان الرواد من القيادات السياسية والحزبية يناضلون بعقول مليئة وبطون خاوية، واليوم يناضل ورثتهم أو مَنْ تبقَّى منهم بعقول خاوية وبطون ممتلئة..
هذه هي القصة باختصار، والجيل الجديد ومنهم أسعد اكتشف حقيقتها، وبدأ يدرك - كما نحن أدركنا مباشرة بعد أن اختطفوا الساحات في 2011م- أن القيادات التي كان يُعوَّل عليها إنقاذ الموقف قد حادت عن الطريق.. وتضخَّمت فيهم الأنا، كما تضخَّمت مصالحهم، وأصبحوا بعيدين عن أهداف وقِـيَم ومبادئ أحزابهم الوطنية المناضلة التي كانت..
وإذن، أقول لأسعد لا يمكن لأحد أن ينكر الدور الريادي للحزب الاشتراكي اليمني، ورموزه الكبيرة من عبدالله باذيب وعبدالفتاح إسماعيل، وسالم ربيع، وعلي ناصر، وعلي صالح عباد (مقبل)، وعلي سالم البيض، إلى صالح مصلح قاسم، وعلي عنتر، ثم جار الله عمر، وعمر الجاوي، وسلطان أحمد عمر.. وكوكبة طويلة حفرت أسماءها في الذاكرة الوطنية ولا يمكن أن ننساها.. أتدرون لماذا ؟!..
لأنهم اجتهدوا وأصابوا كما أخطأوا، لكنهم تركوا إرثاً وطنياً مزهِراً، ولم يفرّطوا كما يفعل اليوم مَنْ حملوا الراية مِن بعدهم ورموها في منتصف الطريق.. كانوا ضمن الرَّكب لكنهم غادروا المشروع الوطني وارتهنوا للمشاريع التي كانت محرَّمة.. بل كانت كُفراً بواحاً في وثائق وأدبيات الحزب..

جيل عاشق!!
أسعد، عنوان لجيل عاشق يريد أن يرى نفسه فيما يعشق.. يريد أن يطرد الدخان والرماد، ويتنفس في ضوء اليمن.. وطنه الذي يراه يتشظى، يجوع، يتشرد، يتفلت.. قاب قوسين أو أدنى من الاحتضار..
مِـثْـلُ اسعد كما مازن وريدان وكهلان وذو يزن من الاشتراكي والمؤتمر والبعث والناصري، والطليعة، وحتى "الإصلاح" وكل الأحزاب التي أسهمت في رسم البسمة على جبين الوطن، ونفضت عنه غبار الأيام وظلم وتخلُّف السنين..
قُـلنا منذ أن فشلت الأحزاب في إدارة الأزمة بعد 2011م راجعوا أنفسكم كقيادات، وأخْضِعوا أحزابكم للمراجعة إنْ أردتم لأنفسكم ولها البقاء.. فقال أحدهم ذات يوم: من أنت حتى تقول لنا ما يجب وما لا يجب ؟!
وهنا وبهذا المنطق المستبد يسقط مفهوم "التعدُّد" الذي تقوم عليه الحزبية، والذي يعني القبول بالآخر المختلف، وللأسف كانت النتيجة كما ترون.. اعتمادات وتقاسم مناصب، وترتيت الأولاد، وتفريط، واسترخاء، و"للكعبة ربٌّ يحميها"، مع أنهم يقولون لأعضائهم ويصرون على أنهم "الأصنام" التي يجب أن تُسمع وتُطاع..!!
من هنا نعود ونقول، إن التعدُّدية السياسية هي طريقنا لاستعادة بناء الدولة عبْر الحوار والديمقراطية والصندوق والتعايُش، وبالتالي هي مدعوة إلى:
• مغادرة مربع المشاريع الضيّقة والعودة للمشروع الوطني.
• مراجعة الأخطاء والاعتراف بها والاعتذار عنها.
• تخلّي القيادات التاريخية عن مناصبها الحزبية "المغتصَبة" فوراً لأنها فشلت، وإلى هنا ويكفيها.
• إطلاق رياح التغيير وتفعيل الممارسة الديمقراطية بداخل الأحزاب، وترْك الجيل الجيد يتسلم الريادة وينطلق من حيث انتهى إليه الرواد الكبار..
تحية للأحزاب التي لا يزال بها نبض وحياة.

تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 03-نوفمبر-2026 الساعة: 04:12 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-67997.htm