المستشار/ أحمد علي جحاف - ○ العدل عند الله أولوية، والظلم عند الشيطان أولوية..
○ من منظور القِيَم الدينية والانسانية العقلانية، الأمة العادلة هي التي توازن بين الحقوق والواجبات وتحقق العدالة مع الإنسان وكل الموجودات (حيوان ونبات وثروات وغيرهم) في مجمل سلوكها في الحكم، والاقتصاد، الاجتماع، والبيئة والعلاقات الخارجية..
○ واقعنا المعاصر يقول إن أمتنا الإسلامية هي أبعد ما يكون عن العدالة الشاملة رغم أن العدل هو الأساس الرئيسي والمحوري للإسلام..
"إن الله يأمر بالعدل والإحسان"..
لكن ذلك واقع نظري وشعارات وليس واقعاً تطبيقياً.. فيما يلي استعراض موجز لذلك الواقع:
الدولة العادلة:
رغم المشهد التطبيقي للعدل وللهدى بشكل عام على يد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عبر صحيفة يثرب [دستور يثرب] التي جعلت العدل واقع عيش مجتمع إنساني فيه كل التنوع الإنساني عِرقياً (صهيب الرومي - سلمان الفارسي - بلال الحبشي - وبنو إسرائيل)، ودينياً (مسلمين ويهود ووثنيين ومشركين ومنافقين)، جغرافياً (الأنصار مواطنين أصليين - مهاجرين) تعايش، مواطنة متساوية، حريات (معتقد وفكر وإيمان وكفر) وتبادل للمنافع وتكامل في المصالح ومصير واحد ودفاع مشترَك، رغم ذلك وعلى مدى 14 قرناً فشلنا فشلاً كلياً في إنتاج {الدولة العادلة}، بدءاً بدولة السقيفة التي قامت على مبدأ الحق الحصري القرشي في بداية تتعارض مع مبدئي العدل والمساواة، وسيْراً على نفس التأسيس تولى الخليفة الثاني والثالث عبر لجنة سداسية قرشية، وعبر الشورى واختيار الغالبية تولى الخليفة الرابع (رضي الله عنهم جميعاً)..
بعد استشهاد الخليفة الرابع تمت العودة إلى تلك المرجعية السقيفية المزعومة لتصبح أكثر بُعداً عن العدل والمساواة بجعلها قرشية وراثية عند الأمويين، ثم قرشية وراثية أسرية عند بني العباس وهكذا وفي كل المراحل حاكم ديكتاتور هو فوق القرآن وصحيفة يثرب والدستور والقوانين حتى هوية الأرض والشعب والدولة تحمل هويته العائلية، وما زالت الكارثة تسوسنا وتذكي نار صراعاتنا وتدمرنا حتى الآن..
ولا شك أن الخلفاء الراشدين هم أهل لتلك المسئولية لكن الخلل الكارثي حضر في تأسيس آلية الوصول إليها..
■ النتيجة:
نسف كامل لمبدئي العدل والمساواة بذلك التأسيس في السقيفة، وبعد الخلافة الراشدة إضافة الوراثة إلى الحق الحصري القرشي، ترافق مع ذلك إفراغ الدين من قِيَمه الإنسانية، وتطبيقه كمنهج تكفيري غازي ومعتدٍ ذي هوية طائفية ضيّقة ترفض التعايش مع الآخر، عكس حقيقة هويته الإنسانية العالمية وكونه مشروعاً للعالمين (إنس وجن) بكل ما فيهما من تنوع..
وصل تقزيم وتضييق الدين إلى أنه صار وإلى الآن لا يستوعب حتى المسلمين أنفسهم..
حقوق الإنسان: العدل
مع الغير:
"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ"
الإنسان في المواقع التالية:
{المرأة - الطفل - الأقلية - بعض المهن (الجزار- المزين - الحلاق) - المختلف بشكل عام - الحريات بالذات حرية التعبير والمعتقد - تمييز طبقي وطائفي وقبلي وسياسي - احتكار للسلطة - كل ذلك على سبيل المثال وليس الحصر}.. على المستوى الفردي والاجتماعي والرسمي النظرة إلى تلك الفئات فيها (دونية) وبالتالي التعامل معها يكون فيه إجحاف بالحقوق وازدراء وقمع لدرجة أن انتهاك بعض الحقوق صار مُشَرعاً قانوناً بالأخص ما يخص المرأة والأقليات..
■ النتيجة:
الدين الذي حضر من أجل الإنسان كقيمة عظمى، تحول عبرنا إلى آلة قتل وقمع وانتهاك لحقوق الإنسان، ومنبع فُرقة وصراع بين المجتمع الإنساني..
المشكلة ليست في الدين بل في غياب الوعي العقلي والمؤسسي لتطبيق قِيَمه.
العدل مع الحيوان والنبات والثروات ومراعاة حقوقهم:
الاستهلاك الجائر للموارد الطبيعية والعبث بها وتدمير البيئة، يعبّر عن غيابٍ للعدل والوعي بالعدالة الكونية..
الحيوانات تُعامَل كأدوات نفعية لا ككائنات لها حقوق، ولا نحسن الرعاية مقابل الانتفاع بها، وجور وتعذيب في الاستخدام والانتفاع..
تدهور الغطاء النباتي والمياه يعبّر عن أنانية حضارية وغياب الوعي البيئي..
■ النتيجة:
العدالة مع الحيوان والطبيعة غائبة، رغم الاعتراف النظري بها.
من وجهة نظر القِيَم الدينية والإنسانية:
القرآن بوضوح يؤسس لمفهوم العدالة الشاملة: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان"..
الواقع العملي لا يمثّل تلك المبادئ، بسبب هيمنة غَثّ التراث على الوعي الجمعي وتهميش العقل، والفساد والاستبداد..
اعتبار القرآن منهجاً نصّياً وقياسياً على مفاهيم السلف وليس منهجاً عقلياً يُفهم ويُطبق بآليات يبتكرها العقل..
التناقض بين القول والعمل جعلنا أمة تملك المبدأ وتفتقد الممارسة..
■ النتيجة الكلية {تقييم عقلاني واقعي}:
لسنا أمة عادلة بالمعايير الدينية أو الإنسانية أو البيئية، بل أمة تمتلك المنهج النظري للعدالة دون تطبيقه..
العدالة فينا مفهوم مثالي محفوظ في النصوص لا منظومة فاعلة في السلوك والمؤسسات..
○ الأمة الإسلامية اليوم تنتهك -عملياً لا نظرياً- حقوق الإنسان والكون التي أمرت بحفظها شريعتها؛ وأكرر أن المشكلة ليست في الدين بل في غياب الوعي العقلي والمؤسسي لتطبيق قِيَمه.
■ رؤية إصلاحية علمية واقعية شاملة:
○ مع كل ذلك إمكانية الإصلاح قائمة إذا أُعيد بناء الوعي الجمعي على أساس العلم وسيادة العقل والقِيَم والمساءلة والشفافية (دولة مؤسسات بسيادة دستور وقانون تعيد صياغة التعليم والثقافة والفكر والخطاب الإعلامي والديني على أساس المنهجية العلمية والعقلية وثقافة التعايش وقِيَم العدل والمساءلة لا التلقين والتقديس الأعمى)..
○ ربط التعليم بالإنتاج والتنمية المستديمة، ودعم البحث العلمي التطبيقي..
○ استقلال القضاء، وحرية الرقابة، والشفافية في المال والإدارة العامة..
○ الإصلاح الحقيقي يبدأ من العقل والضمير والمؤسسة معاً..
○ دعم التفكير النقدي والعلمي وربط الإيمان بالعقل والعمل..
○ مواجهة ثقافة التبرير والسكوت على الظلم..
○ تحويل الولاء من الأشخاص سواءً أكان {زعيماً دينياً أو قبلياً أو حزبياً أو وطنياً} إلى الدستور والمصلحة العامة..
○ محاربة الفساد والاحتكار، وإصلاح النظام الضريبي لصالح العدالة التوزيعية..
○ دعم الفئات المهمشة المستضعَفة وتكافؤ الفرص في التعليم والعمل..
○ العدل مع البيئة والثروات:
بإصدار قوانين لحماية الثروات والموارد الطبيعية، ونشر ثقافة الرفق بالحيوان، وتحويل إدارة الثروات إلى مسئولية جماعية..
○ العدالة القيمية والأخلاقية:
عبر القدوة في القيادة والمؤسسات، وربط العبادة بالإحسان في المعاملة..
○ العدالة لا تُـستعاد بالوعظ ولا بالشعارات بل بمنظومة متكاملة من الفكر والعلم والقانون والأخلاق..
○ العدالة العالمية والإنسانية:
تبنّي مواقف عادلة تجاه القضايا الدولية والإنسانية، ودعم التعاون العادل بين الأمم، الإسهام في بناء حضارة إنسانية قائمة على الحق والسلام..
○ الفرق بيننا وبين الأمم المتقدمة، هم طبَّـقوا القِيَم التي نملكها نظرياً، ونحن نحفظها دون تفعيلها..
○ الأمة العادلة هي التي تحوّل قِيَمها إلى أنظمة وسلوكيات، وتوازن بين الدين والعقل وبين الروح والمادة، وبين الإنسان والكون.
|