عبدالسلام الدباء* - في زمن يتعالى فيه ضجيج الكراهية على صوت العقل، ويصعد الجهل منابر الحديث بينما ينزوي الوعي في زوايا الصمت، يبدو المشهد اليمني وكأنه يمر بأخطر لحظاته التاريخية، ليس فقط بسبب الحرب أو الفقر أو التدخُّلات الخارجية، بل بسبب شيء أشد فتكاً : يُفَـكَّـك النسيج الوطني من الداخل بأيدٍ تدَّعي الانتماء للوطن، بينما تمزّقه بخيوط الطائفية والمناطقية والمذهبية والعِرقية..
إن ما يحدث اليوم في المجتمع اليمني ليس مجرد اختلاف في الرأي أو تنوُّع في الرؤية السياسية، بل هو استثمار مريب في ثقافة الكراهية، تغذّيه أصوات مسمومة تتخفى خلف شعارات الانفصال والتمييز المذهبي والعِرقي، والانتصار للهوية الضيّقة على حساب الهوية الوطنية الجامعة.. والأدهى من ذلك، أن هذه المشاريع لا تخدم الوطن، بل تخدم مصالح ضيّقة، وأجندة مشبوهة، وأحياناً تخدم نزوات فردية لا ترى في اليمن إلا غنيمة يجب اقتسامها..
لقد تراجعت أصوات العقلاء، وتركوا المجال للجهلاء يتصدرون المشهد، يملأون الفضاء ضجيجاً، ويغذّون العقول بخطابات التحريض والكراهية والتخوين.. أما الحكماء، فقد اختاروا الصمت، إما يأساً أو اتقاءً للشر أو حفاظاً على ما تبقَّى من كرامة الكلمة..
ولكن.. اليوم، أما آن للعقل أن ينهض؟..
أما آن لأصحاب الضمائر الحية أن يقولوا كلمتهم؟.. فالوطن لا يُبنى بالسكوت عن الباطل، ولا تقوم له قائمة ما دام الساكتون عن الحق يتركون الساحة لمَنْ يعبثون بالحاضر ويغتالون المستقبل..
اليمن ليس مِـلْـك فئة ولا طائفة ولا منطقة.. اليمن مِـلْـك أبنائه جميعاً.. واليمن الواحد، الحُر، المستقل، هو الضمانة الوحيدة لمستقبل آمِن لكل الأجيال.. وإذا لم يقف العقلاء الآن، فمن سيقف؟؛ وإذا لم يكن الآن، فمتى؟!
الحياة مواقف، والوقوف في وجه الفتنة من أعظم الأعمال، وكلمة العقل في وجه الجهل هي أعظم ما يمكن أن يُهدى للوطن في هذه اللحظة الفارقة.. لكن السؤال الذي يفرض نفسه على كل الصامتين والمتفرّجين، بعد كل هذا الخراب:
متى تستيقظ ضمائركم؟.. ومتى تصحون من غفلتكم ؟!
إلى متى يستمر صُنَّاع الكراهية والتفرقة في غَـيّهم؟.. وإلى متى يستمر العقلاء في صمتهم ؟!..
لقد حان الوقت الآن ليقول العقلاء في اليمن كلمتهم في وجه ثقافة الكراهية وفي وجه العبث والفساد الذي ينخر في كل أرجاء الوطن من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب..
استيقظوا أيها العقلاء الآن.. قبل أن نصحو على وطن لا نجد له أثراً سوى في الأغاني القديمة!!..
اللهم هل بلَّـغت.. اللهم فاشهد..
عاش اليمن حُراً.. عزيزاً.. موحَّداً.
* مستشار وزارة الشباب والرياضة
|