الميثاق نت -

الثلاثاء, 30-سبتمبر-2025
بقلم/ عبدالله البردوني* -
تكاثرت الكتابة في السبعينيات عن تمرد الشباب وأسبابه، وصدرت كتب تحمل كهذه العناوين: ثورة الشباب ، أزمة الشباب، تمرد الشباب..

وكانت هذه الظاهرة جديدة على أوروبا التي ترى أن الشباب عهد تحصيل وصبىً وإعداد للرجولة..

أما في بلادنا فقد كان للشباب في الخمسينيات طفور ولكنه مشروع، إذ لم يبلغوا حد التهور ولا تجاوزوا مشروعية الطموح..
غير أن المقام كان يستنكر أطوار الشباب قياساً على
آبائهم، وهذا ما يثير الالتفات إلى جيل الخمسينيات والذي سبقه..

كانت الفترة الممتدة من 1920م إلى 1940م فترة الاطمئنان أو
فترة اللامبالاة.. وكان شعار ذلك الجيل حين يرى ما لا يحب ..
(ما شاء الله كان.. دبداب لوما يجي الموت.. لها مخَرِّجات)..

أما الأربعينيات فقد جاءت بالهزات التي حركت الطمأنينة بعض
الشيء، وأثارت التساؤل عن بعض الأمور، ولا بد أن يتطور هذا القلق النسبي، فتبدت أطواره في الخمسينيات على عدة أشكال سيئة وحسنة، أما السيئة فميل أكثر الشباب إلى التدخين، حتى في دار العلوم حيث الصرامة في منع التدخين ليل نهار..
وكانت العقوبة على التدخين تصل إلى فصل الطالب، وتسمي
هذا طفوراً واستعاذ الشيوخ بالله من الوقت الذي عرفوه..

أما الحسنات فعديدة، أهمها ميل الطالب إلى الكتب الثقافية لكي
توسع مداركهم، وكان ميل البعض إلى هذه الكتب يرجع إلى الملل من دراسة الكتب القديمة، حتى وصل الطفور إلى التمرد على الشيوخ والدروس في الستينيات..

وكان الشعور بالحرمان شديد الوطأة على النفوس، إذ لم يعد
الصرف الحكومي يكفي الطالب الذين اتسعت رغائبهم أمام الواردات المغرية، وأمام المقاهي التي بدأت تتفتح في
الستينيات، فبدا الشباب الذين التحقوا بدار العلوم والثانوية في آخر الخمسينيات وأول الستينيات، غير قادرين على استيعاب تلك الدروس..

ومن أولئك الطلاب الذين جمعوا بين النباهة وبين الضجر من تلك الدروس الروتينية بطل هذه الحلقة أحمد بن أحمد الكبسي..

* * *

كانت المجالات في آخر الخمسينيات وأول الستينيات محدودة،
فليس أمام المرء إلا أن يكون تاجراً أو موظفاً في أي درجة أو فلاحاً.. لم يكن هناك من المرافق الأخرى غير التمريض أو
العمل في شق الطرق، أو قولبة الأحجار للعمارة.. وكان أكثر الطلاب يتخرجون إلى شقِّ
الطرقات في ريدة وعمران وسمارة..

وكانت تلك الطرق بدائية، إلّا أن أكثر خريجي الخمسينيات من كل المدارس اشتغلوا في شق الطرق الترابية الصخرية، وكان هذا لا يليق بأبناء كبار الموظفين من أمثال أحمد بن أحمد الكبسي الذي بدا رافضاً لدروس دار العلوم التي أهَّلت الآباء للمناصب القضائية والإدارية.. وكاد أحمد بن أحمد الكبسي أن يغادر المدرسة من الضيق بها، ولم يجد مجالاً إلّا عندما قبلته الكلية الحربية بعد سنة من دخول الدفعة الأولى..

ولم يصل إليها إلاّ بعد إلحاح الطلب، وبعد الانقطاع عن الدراسة لطلب الالتحاق بالكلية.. وتبدى في الكلية عسكرياً من طراز رفيع، لأنه كان قبل دخوله الكلية يمارس الرياضة بكل أنواعها،
ومع ذلك لم تكن قوته العضلية على حساب قوته الذهنية، وإنما كان يميل إلى أي دراسة تختلف عن دراسته الكتب الصفر، فأبدى ذكاءً في التعليم العسكري وتفوق في كل الامتحانات حتى تخرج قبل الثورة بشهور.

* * *

كانت الشهور التي تخرج فيها أحمد الكبسي شديدة الوطأة على كل الخريجين في الكلية الحربية، لأنهم تخرجوا في وقت الحساسية من الجيوش الذين كانوا يفجرون الثورات في العالم الثالث..

وكان المد الناصري يهز أرجاء المنطقة، وكان تقبله على أشده عند جماهير اليمن، لهذا لاقى الخريجون التغاضي والضياع سواءً تخرجوا من الكلية الحربية بصنعاء أو من أي كلية حربية خارج اليمن..

وقد شكَّـل الخريجون العسكريون عدداً لفت انتباه السلطة وأثار
مخاوفها..

تخرج في الكلية الحربية بالقاهرة عبداللطيف ضيف الله، علي
سيف الخولاني، عبدالله المقبلي، لطف الزبيري، محمد محسن الشامي، ولطف العرشي..

وتخرج في الكلية الحربية اليمنية مقدار مائة ضابط فكان هؤلاء
موضع الرقابة، وكان لبعضهم أعمال إسميه، لأن إمارة الجيش كانت مدنية لا تعرف قيمة المتخرجين، بل تخاف مخاوف القصر من مجيئ البديل.. حتى الخريجون الذين ينتمون إلى الطبقات العليا من الموظفين، فإن التوجس منهم حال بينهم وبين
تشكيل وحدات عسكرية يقودونها أو يقومون بتدريبها.. إلى حد
أن بعض الخريجين في الكلية الحربية عادوا إلى وظائف مدنية ولم يعودوا إلى العسكرية إلّا بعد الثورة..

وكان أحمد الكبسي قريب العهد بالتخرج فلم يضجر كثيراً، لأن الثورة كانت تدق الأبواب.. ولما تبرَّجت تألق خريجو الكلية الحربية وزملاؤهم من سائر الكليات كثوار أجابوا نداء الشعب وحققوا بأسلحتهم محو السلطة المستبدة المسلحة.

كان الضباط في منتهى الكفاءه لمواجهة الأخطار وقيادات المناطق، غير أن قيادات العسكريين في المناطق العسكرية أثارت حساسيات بين الأنداد، لأن العداوة تستحرُّ بين الأنداد لتماثلهم أو تشابههم، كما تستحرُّ بين الأضداد لقوة تنافرهم ولانعدام ثالث يزيل الضدين.

لهذا قابل القادة في بعض المناطق نفوراً من أهلها إلّا أحمد بن أحمد الكبسي، فإنه كان في منطقته موضع التقدير والحب.

* * *

على رغم الاحتياج لأحمد الكبسي فإن المشاكل السياسية بين القياديين كانت تتفاقم وتهدأ، وكان هناك توقع من انقلاب على القيادة حينذاك..
فتعين أحمد الكبسي قائداً للواء إب، حيث لم
يتفجر تمرد ولا علت نبرة تذمر، فكيف تحول المحارب الخبير في شدة الحرب إلى قائد لواء مسالم، وهو مستميت في الذود عن الثورة؟..

لقد كان تعيين أحمد الكبسي في إب كإبعاد عن العاصمة وعن المعارك يعزى إلى غرض سياسي، ولا يخلو من بعد نظر، فقد كان لواء إب حَرِياً بقائد محبوب كأحمد الكبسي..

كان أحمد الكبسي في لواء إب دائم الحضور إلى جانب المواطن، كان يزاول مع الشباب الألعاب الرياضية ويختلط بالمثقفين.. وفي مكتبه يدخل إليه كل مواطن فلا حارس ولا أوقات منع، وإنما كانت كل أوقاته لقضايا المواطنين لأنه كان واحداً من الناس ليس له من مظاهر القائد شارة أبهة، وإنما كان مواطناً يتحمل مسئولية المواطَنة..

كان يوجد في المقهى وفي الملعب وفي المقوات، فليس بينه وبين المواطن إلّا الصلة الحميمة والمودة الصادقة ، فأدى حب
لواء إب له إلى طول مدته، فكلما أرادت القيادة بصنعاء استدعاء الكبسي لمهمة عسكرية، تظاهر المواطنون وابتعثوا جماعات منهم إلى القيادة بصنعاء لتثنيها عن نقل الكبسي من إب، ذلك لأن الكبسي كان نقيض كل الذين أداروا أعمالاً في إب في العهدين..

* * *

ولما كان ارتباط القيادات بصنعاء وثيقاً ، كان أحمد الكبسي يصل إلى صنعاء بسرعة ويعود بسرعة حتى لا يتوهم مواطنو إب انتقاله إلى موقع آخر..

وبمقدار ما كان محبوباً في إب كان مرموقاً بين زملائه الضباط ، مشهوداً له بالتفوق وبالتقشف وبالترفع عن أموال
المواطنين والدولة..

وربما كان نادراً أن يكتفي قائد بمرتبه غير أحمد الكبسي ، الذي قضى سنوات في إب يأكل كالناس ويشرب مثل الناس وينتقل على قدميه كأكثر المواطنين، ولم يكن يمتطي السيارة إلّا لمهمة خارج مدينة إب، لأن ذلك العمل من مهمات الحكومة ولا يريد أن يشغّل سيارة الشعب إلّا في مهمة شعبية وظيفية..

* * *

في عام 1965م وصل أحمد الكبسي من إب إلى صنعاء كالعادة للمراجعة في أمور، لاستصدار أوامر عليا، لطرح قضايا مع المسئولين... وظل في صنعاء كما كان في إب ممتزجاً بالمواطنين متتبعاً أخبار الزملاء في المواقع والقيادات..
وفي شهر 6 من عام 1965م عاد إلى إب فاعترضه كمين بين
نقيل يسلح وصنعاء، وهو على سيارته إلى جانب جنديين، وكان ذلك الكمين من العشرات، فأمطروا سيارته بالقذائف والرصاص بعد أن قاوم الكمين مدة ساعة حتى غلبته الكثرة فسقط مع رفيقيه شهداء..

ومن العجيب أن تلك الفترة كانت أقرب إلى الهدوء، إذ كانت الحرب شبه نائمة في كل المواقع، ليلاقي أحمد الكبسي مصرعه في غير معركة كما كان يود، وبذلك الاستشهاد تحوَّل أحمد الكبسي من بطل شعبي عظيم إلى شهيد أعظم.


*من كتاب (ثُوار في رحاب الله) للبردوني.. صدر حديثاً عن الهيئة العامة للكتاب
تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 03-نوفمبر-2026 الساعة: 03:26 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-67923.htm