الميثاق نت -

الإثنين, 29-سبتمبر-2025
إبراهيم ناصر الجرفي -
الجريمة المروعة التي حدثت مؤخراً في مدينة تعز والتي كان ضحيتها الشهيدة الأستاذة افتهان المشهري -مديرة صندوق النظافة- والتي عكست الوضع المأساوي والكارثي والدموي الذي تعيشه مدينة تعز، وهي تعيش تحت سلطة عصابات إجرامية وإرهابية ذات نزعة حزبية وعنصرية ومناطقية وعصبوية مقيتة، هذه الجريمة جعلتني أستذكر تجربتي المريرة التي كان مسرحها مدينة تعز، وحدثت في العام 2014م م، وقد بدأت هذه التجربة عندما ذهبنا إلى مدينة تعز مع والدي حفظه الله وذلك لشراء حراثة، وكان برفقتنا 3 أشخاص من ذمار أخبرونا أن هناك حراثة نظيفة موجودة في مدينة تعز وهي معروضة للبيع وتتبع جمعية زراعية، وبالفعل وصلنا مدينة تعز وفي منطقة عصيفرة بالتحديد وجدنا حراثة روسية الصنع واقفة ومعطلة ومهمَلة، لكنها لا تزال بحالة جيدة رغم أنها تحتاج للكثير من الصيانة والإصلاح، وكان من ضمن الذين دلونا عليها شخص متخصص في ميكانيك وإصلاح الحراثات، أخبرنا أنها لا تزال بحالة جيدة وأن الأعطال التي بالحراثة هي نتيجة وقوفها لفترة طويلة، وأن سبب توقُّفها هو خلاف بين الأشخاص الذين اشتروها من الجمعية، وهو ما جعل قيادة الجمعية تتدخل وتقوم بإيقافها، وتقرر في الأخير عرضها للبيع ..!!
المهم تواصلوا مع رئيس الجمعية، الذي لم أعد أذكر اسمه ولا اسم الجمعية، عبر الهاتف وأخبروه أن هناك مشترياً للحراثة، وسألوه عن السعر المطلوب فقال مليون و500 ألف، طبعاً ما شجعنا على الموافقة على الشراء هو تأكيد المهندس أن محركاتها لا تزال بحالة جيدة، وأخبرونا أن علينا متابعة موضوع الشراء عبر الاتحاد الزراعي ومكتب الزراعة في تعز، كونها تابعة لجمعية زراعية، لأن الحكومة كانت توزع هذه الحراثات للجمعيات الزراعية بأسعار مخفضة وبالتقسيط، والتي كانت بدورها توزعها على المزارعين بهدف مساعدتهم وتشجيعهم على العمل والإنتاج الزراعي، وبالفعل ذهبنا لمكتب الزراعة وكان المدير حينها هو الأستاذ محمد الجندي ابن عم الأستاذ عبده الجندي، وقد تعرَّفنا عليه بشكل شخصي وتعاون معنا بشكل كبير، وكان يستقبلنا حتى بعد الدوام الرسمي في منزله، وبعد استكمال الإجراءات في مكتب الزراعة توجَّهنا إلى مكتب الاتحاد الزراعي بالوثائق والمذكرات المطلوبة، ولم تعد تسعفني الذاكرة باسم مدير الاتحاد الزراعي آنذاك، لكن بصراحة حتى هو كان متعاوناً معنا وكنا نلتقي به في استراحة المكتب، وطلب منا دفع قيمة الحراثة مليون و500 ألف وسلمناها له بموجب استلام خطي منه، وطلب مِنا بعض الوقت للتواصل مع قيادة الجمعية الزراعية، بهدف إنهاء الإشكال والخلاف حول الحراثة، ولكن يبدو أن خِلافاً حصل بين رئيس الاتحاد الزراعي وقيادة الجمعية الزراعية على حصة كل طرف من قيمة الحراثة ..!!
ومن هنا بدأت معاناتنا ونحن نتابع موضوع شراء الحراثة، والذي كان المفترَض أنه قد تم بحسب الإجراءات القانونية، طبعاً وبكل صراحة مدير مكتب الزراعة ورئيس الاتحاد الزراعي بعد أن شعروا بتعنُّت ورفْض الهيئة الإدارية للجمعية تسليم الحراثة، عملوا لنا أمراً بتحميل الحراثة فوق قاطرة ونقلها إلى ذمار، وكانت المفاجأة عند ذهابنا لتحميل الحراثة خرج لنا مجموعة من البلاطجة بالسلاح ومنعونا من تحميل الحراثة، ويبدو أن هؤلاء البلاطجة والمفصّعين يتبعون قيادة الجمعية، أو أنهم كانوا يتبعون طرفاً نافذاً في تلك المنطقة كان يريد مِنا أتاوة مالية كون الحراثة كانت واقفة في منطقة نفوذه، ورغم عرضنا عليهم أوراق البيع وأوامر مكتب الزراعة والاتحاد الزراعي إلا أنهم رفضوا تسليم الحراثة ورفضوا كل الأوامر والتوجيهات، قُلنا في أنفسنا نذهب لإدارة الأمن ونعرض عليهم الموضوع وبدون شك سوف يتدخلون ويوقفون هؤلاء البلاطجة عند حدهم، ولكن للأسف الشديد قابلنا مسئولو الأمن بكل برود ولا مبالاة، وكأن الأمر لا يعنيهم ولم يصدر منهم أي موقف، عندها أدركت أن مدينة تعز ليست على ما يرام بعد أن رأيت عجز وضعف الأجهزة الأمنية وعدم قيامها بواجباتها ..!!
المهم رجعنا لرئيس الاتحاد الزراعي والذي يبدو أنه قد شعر بخطورة الموقف، وأدرك أنه يقف في مواجهة قوى نفوذ لا طاقة له بها، وفي محاولة أخيرة منه عمل لنا مذكرة إلى النيابة للقيام بواجبها القانوني مطالباً إياها بضبط المعرقلين وتسليم الحراثة للمشتري، ذهبنا إلى النيابة وعرضنا المذكرة والوثائق التي تثبت شراءنا للحراثة بالطرق القانونية، وكنا ننتظر من النيابة إصدار الأوامر للقبض على المعرقلين وإنصافنا وفق القانون، ولكن ما حصل كان غير ذلك حيث تفاجأنا بعضو النيابة المكلف بالموضوع يأمر بحبس والدي المشتكي، وهنا فقدتُ اعصابي وبدأتُ بالكلام بصوت مرتفع في وجه عضو النيابة، قلتُ له هذا والدي جاء من أجل أن تنصفوه وتسلموا له حقه، وأنت تأمر بحبسه.. في أي نظام هذا ؟!.. طبعاً أنا عرفتُ أن كلامه ذلك هو رسالة تهديد لنا الهدف منه التوقف عن الملاحقة والمطالبة بتسليم الحراثة، وأدركتُ عندها خطورة الموقف وأننا نواجه عصابة منظَّمة لها أيادٍ في كل مكان، وشعرتُ بالإحباط وأنا أشاهد الحال المؤسف والمأساوي الذي وصلت إليه الاجهزة الأمنية والضبطية والقضائية في مدينة تعز ..!!
ولكننا لم نيأس ولم نستسلم؛ طلبنا مقابلة رئيس النيابة، ويا للصدف كان رئيس النيابة حينها القاضي محمد الحاج من ذمار من ميفعة عنس نفس مديريتنا ومن قرية الميفعة وتربطنا بهم علاقات طيبة، قلنا فرصة نتواصل معه وبدون شك سوف ينصفنا ويوقف البلاطجة عند حدهم، وذهبنا إلى منزله واستقبلنا ورحَّب بنا واستمع لموضوعنا، ويبدو أنه كان قد اطلع على الموضوع، ومن خلال كلامه أدركت أن الأمور في تعز ليست على ما يرام، وأخبرنا أن كل ما يستطيع عمله هو إلزام رئيس الاتحاد الزراعي بإرجاع فلوسنا، ونصحنا بترك الموضوع، عندها أدركت أن مدينة تعز لم تعد محكومة بالنظام والقانون ولم تعد خاضعة للسلطة، بل لقد أصبحت الكلمة العليا فيها لقوى النفوذ الحزبية وللعصابات التابعة لها، كما أن تلك التجربة جعلتني أدرك حجم مأساة مدينة تعز رغم أنه في ذلك الوقت كان لا يزال هناك شبه دولة، فكيف الحال اليوم بعد أن تمكنت قوى النفوذ الحزبية والمناطقية والقبلية والعصابات المرتبطة بها، من إحكام السيطرة على السلطة في مدينة تعز، وبعد أن أصبح قادة وزعماء تلك القوى والعصابات هم مَنْ يديرون الأجهزة الحكومية في تعز، وهم من يرتدون الزي الرسمي للأمن والجيش، لذلك لم أتفاجأ من تهاون وإهمال الأجهزة الأمنية والقضائية للمذكرات والأوامر والتوجيهات والشكاوى التي قدمتها الشهيدة افتهان المشهري، والتي نتج عنها سفك دمائها في وَضَحِ النهار، وهذا أمر طبيعي في ظل عجز وفشل وتهاون وفساد الجهات الأمنية والقضائية في مدينة تعز، وما قتْل الشهيدة افتهان إلا قطرة من بحر المأساي والكوارث والجرائم التي تعيشها مدينة تعز كل يوم..
إن هذا الوضع يتطلب تدخُّلاً مباشر لإنقاذ أبناء تعز وتحريرهم من هيمنة وبطش وطغيان تلك القوى والعصابات الارهابية، ويتطلب من أبناء تعز في المقام الأول الاصطفاف حول بعضهم وإعلان الكفاح والنضال السلمي، وإذا استدعى الأمر النضال المسلح.. فالأمر خطير وخطير جداً، وأي تهاون مع ذلك سوف تكون نتائجه مدمرة وكارثية.
تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 03-نوفمبر-2026 الساعة: 01:11 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-67911.htm