الميثاق نت -

الإثنين, 22-سبتمبر-2025
طه العامري -
مع انتهاء الحرب العالمية الثانية برزت مفاهيم جيوسياسية جديدة ألقت بظلالها على خارطة العالم التي تَنافسَ عليها قُطبا الصراع الجيوسياسي الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، وكانت هذه الأخيرة قد حلت محل الإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عن مستعمراتها الشمس، حتى عام 1945م حين بدأت "شمسها الاستعمارية" تتجه نحو الأفول..
رفعت أمريكا بعد الحرب شعارات عن الحقوق والحريات وقدمت نفسها كداعية للحريات واستقلال الشعوب، معتمدةً على استراتيجية جديدة لاحتواء إرادة الشعوب والأنظمة والدول، استراتيجية لا تعتمد على الاستعمار العسكري المباشر، بل طبَّقت استراتيجية الاستعمار غير المباشر، أو بمعنى أدق "الاستعمار الذاتي" المتمثّل في التبعية والهيمنة الاقتصادية وربط الدول والأنظمة باتفاقيات ثنائية تجعلها خاضعة بالمطلق لنفوذ "واشنطن"..
تجاهلت أمريكا قيام ثورة يوليو في مصر في سنواتها الأولى، وتغاضت عن ثورة الجزائر، والعراق، لكنها تصدت للثورة اليمنية وسعت بكل قوتها لإسقاطها، أو تحييدها عن هويتها الوطنية والقومية، ولهذا حشدت حلفاءها في المنطقة من الخليج إلى إيران إلى الأردن والمغرب وحتى الكيان الصهيوني ودفعت بكل هؤلاء الأطراف إلى دعم وإسناد الثورة المضادة في اليمن، ليس حُباً بنظام "آل حميد الدين" بل خشية من تأثير الثورة اليمنية على منطقة الخليج وأفريقيا إنْ هي استقرت وأخذت مسارها الطبيعي على طريق تحقيق أهدافها الحضارية..
شكَّـلت الثورة اليمنية حالة رعب لقوى الرجعية والاستعمار، لأن نجاحها في تحقيق أهدافها واستقرارها ونجاح مشروعها الاجتماعي، كان في كل هذا يكمن الخطر على مصالح قوى الرجعية والاستعمار، والتي كانت قطعاً ستغيّر من شكل وهوية الخليج والوطن العربي، إضافةً إلى هوية الثورة اليمنية وطنياً وقومياً، وارتباطها بدعم القاهرة والزعيم جمال عبدالناصر الذي احتشد أعداؤه وأعداء مشروعه القومي وأعداء الأمة العربية، احتشد كل هؤلاء مع أذنابهم في الداخل اليمني لمواجهة مشروع عبدالناصر القومي في اليمن..
عبدالناصر الذي انطلق بثورته داخلياً وقومياً وأفريقياً، وأصبح رمزاً لحركة التحرر العالمية، لم تتمكن قوى الاستعمار من مواجهته فكانت اليمن هي مسرح المواجهة ، ليس حُباً بالنظام الإمامي بل خوفاً على أنظمة الخليج التابعة للاستعمار الإمبريالي الأمريكي _الغربي..!
قتال دامٍ واجهته الثورة اليمنية منذ لحظة ميلادها، انتهى بتفاهمات إقليمية ودولية، إقليمياً، وحين تعثَّر الحل بين أنصار الإمامة وأنصار الثورة والجمهورية، وبعد حالة استئنزاف مهولة للقدرات البشرية من الجانبين، وتفشّي الصراع داخل الأطراف المتصارعة، تفجَّر صراع ملكي _ملكي، وتفجَّر صراع جمهوري _جمهوري، حصل تفاهم مصري _سعودي انتهى بانسحاب القوات العربية من اليمن وتُرِك اليمنيون يقررون مصيرهم، في ذات الوقت أعلنت السعودية - صُورياً - أنها رفعت أيديها عن اليمن، لكن واقعياً ظلت تُحكِم قبضتها على المشهد اليمني عن طريق حلفائها في الوسط القبلي والسياسي والعسكري، إذ استطاعت شراء ذِمم كبار القادة العسكريين وشيوخ القبائل ونُخَبٍ سياسية وثقافية..
في الاتجاه الآخر حدث توافق دولي "سوفييتي _أمريكي" على الإطاحة بحلفاء القاهرة وعبدالناصر في صنعاء وعدن وتسليم السلطة في جنوب الوطن لخصوم عبدالناصر ومشروعه _الجبهة القومية _ذات التوجُّه اليساري الماركسي في مرحلة كانت القاهرة تخوض صراعاً سياسياً مع التيار الماركسي في الوطن العربي، وهو الصراع الذي فجَّره عبدالكريم قاسم في العراق ثم امتد ليشمل كل الوطن العربي، ومعهم كان خلاف البعث مع القاهرة وأيضاً خلاف القاهرة مع الإخوان المسلمين، وهكذا تكالبت كل هذه الأطراف ضد الثورة وأهدافها وضد التحولات القومية ممثلةً بمشروع الزعيم جمال عبدالناصر.. وقد تقاطعت مصالح كل هؤلاء مع مصالح قوى الرجعية ممثلةً بمملكة آل سعود، ومصالح القوى الاستعمارية ممثلةً بأمريكا، وقد ترتَّب على كل هذا نكسة يونيو حزيران 1967م التي وجهت ضربة قوية لمشروع القومية العربية الذي كان يمثّله الزعيم ناصر، وهكذا تم احتواء الثورة اليمنية وتدجينها وإعادة تشكيلها على مقاس أعدائها وبرعاية مملكة آل سعود..!
نعم كان عبدالناصر حليفاً للاتحاد السوفييتي، لكنه كان من مؤسسي مؤتمر باندونج وحركة عدم الانحياز، وكأن حليفاً نِدّياً للسوفييت ولم يكن تابعاً لهم يوماً.. ولهذا لعب السوفييت دوراً في تقليص نفوذ ناصر القومي بما يتسق مع مصالحهم الجيوسياسية، ومن هذا المنطلق كانت رؤيتهم لأزمة الثورة اليمنية تتسق مع هذه المصالح وعلى أن لا تتطور الأحداث لمواجهةٍ بين "موسكو _ واشنطن"، وهو سلوك انتهازي لعبته "موسكو" لكنها دفعت ثمنه لاحقاً وكان ثمناً باهظاً تشعر بتبعاته موسكو للآن.
تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 03-نوفمبر-2026 الساعة: 12:55 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-67892.htm