المستشار/ أحمد علي جحاف - تعظُم الأحداث وفقاً لعَظَمة مبادئها، وعلو أهدافها، واتساع نطاق تأثيرها، وكلما تجاوز تأثيرها حدود وطنها، ليشمل محيطها الإقليمي ومحيطها العالمي، كلما عظم شأنها، وتعاظم ما تواجهه من التحديات، وبالتالي تتعاظم التضحيات، ويبرز علو شأن القيادات في {قدراتها وفهمها وإيمانها} في تناسب طردي مع عظَمة تلك الأهداف، فتصبح كاملة الأهلية، لتكون {مشاريع وطنية إنسانية}..
□ ثورة 26 سبتمبر 1962م، في ضوء تلك المعايير :
▪︎ مبادئها وأهدافها تحمل معالم مشروع وطني حضاري إنساني معاصر..
▪︎ تلك المبادئ والأهداف هي نسيج من أحلام وطموحات وآمال اليمنيين، واختزال لكل حضارات ونضالات وسلسلة ثورات اليمن السعيد..
▪︎ قام بها نخبة من أبناء المجتمع اليمني، تمثَّل فيها كل مكونات نسيج المجتمع اليمني {عدنانيين وقحطانيين، عسكريين ومدنيين، مثقفين ومفكرين، علماء وتجار، ومشائخ، وعمال، ومن كل محافظات اليمن} وهذه حالة تميُّز للثورة اليمنية دون غيرها..
▪︎ فكرة الثورة، ومكوناتها وكل شئونها، ومنشأها وكل تفاصيلها يمنية خالصة دون أي تدخُّل خارجي، وإنْ كانت قومية النهج، ناصرية الهوى..
¤ قامت ضد أكثر أنظمة الحكم في الدنيا تخلُّفاً وانغلاقاً وعُزلةً عن المحيط العالمي الإنساني، وأكثر بُعداً عن المعاصرة والحداثة والتجديد..
¤ تُعد ضرورة حياتية قصوى على كل الأبعاد محلياً وإقليمياً وعالمياً وإنسانياً، عكس ثورة يوليو في مصر وثورة قاسم في العراق اللتين قامتا ضد أنظمة دستورية ديمقراطية منفتحة متفاعلة إيجاباً مع المجتمع الانساني العالمي..
¤ أحدثت حالة تحوُّل إيجابية كبرى في حياة المجتمع اليمني في كل المجالات، وعلى كل المستويات، ومنها استقلال شطرنا الجنوبي، ولولا أنه وقع بين مخالب الشيوعية لكانت عدن هي Hong Kong الشرق الأوسط، ولتجنبت اليمن الكثير من الحروب والصراعات بين شطري الوطن وكُلفتها الكبيرة بشرية ومالية وتنموية واجتماعية..
في شطرنا الشمالي من الصفر باستثناء {طريق صنعاء الحديدة وميناء الحديدة} إلى حجم كبير من المنجزات في كل المجالات لا يتسع المقام لحصرها.. على سبيل المثال:
بناء دولة تطورت تدريجياً بدستور وقانون (سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية) وانتخابات نيابية ومجالس محلية..
نشر التعليم وبناء المدارس والجامعات..
إنشاء المستشفيات والمراكز الصحية..
شق الطرق وإدخال الكهرباء والاتصالات..
تأسيس جيش وطني حديث..
بداية بناء اقتصاد وطني..
ووعاء استثماري لرأس المال الوطني والعالمي، وحضور الشركات الكبرى العالمية للاستثمار في مجال الغاز والنفط والثروات المعدنية..
تعزيز الهوية الوطنية، وانفتاح وتفاعل وتكامل وتعاون مع الإقليم ومع المجتمع الإنساني العالمي أدى إلى فيض هائل من المكاسب والفوائد في المجالات كافة، وصار اليمن حاضراً مؤثراً بهويته وتراثه الحضاري والفكري والثقافي والفني على المستوى العربي والإسلامي والعالمي، فاعلاً في نصرة القضايا العربية والإنسانية، مساهماً في حفظ الأمن والسلام والاستقرار عالمياً وإقليمياً بحكم موقعه الاستراتيجي العالي في الأهمية..
¤ أدت إلى تحقيق الحلم الأكبر لكل اليمنيين، وأحد الأحداث العُظمى عالمياً وهو الوحدة اليمنية، وقامت دولة الوحدة بدستور يسمح بالتعددية الحزبية.. وتحرر شطرنا الجنوبي من قيود الماركسية التي وأدت الحريات، وأمَّمت الممتلكات، وأعاقت التنمية، وذبحت الاقتصاد حين جرَّمت القطاع الخاص.. وغادر جنوبنا الحبيب سجن العُزلة عن العالم..
¤ في ظل دولة الوحدة انطلق العملاق اليمني الجديد لتحقيق حلم كبير ومنجزات كبرى في كل المجالات؛ وحظي جنوبنا العظيم بتعويض الكثير مما فاته إبان الاشتراكية، وإنْ تم تهميش شمال الشمال وتقليل حصته من المشاريع التنموية، وصار حضور اليمن وإسهامها أعلى وأكبر وأعظم في حفظ السلام والاستقرار إقليميا وعالمياً، وأكثر تأثيراً بتراثه الحضاري وكنوز فنونه وفكره وثقافاته، ووعاء استثماري لرأس المال الوطني والعالمي، وحضرت الشركات الكبرى العالمية للاستثمار في مجال الغاز والنفط والثروات المعدنية..
النتيجة:
الثورة اليمنية (26 سبتمبر 1962م) مشروع وطني إنساني استثنائي عملاق، ولو كانت نجحت في تحقيق أهدافها بنسبة أعلى لكانت اليمن نموذج اقتدت به كل شعوب الجزيرة العربية وغيرها، ولكانت اليمن في مصاف كوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا {دولةً- واقتصاداً- وتنميةً - ورخاءً- نظاماً وقانوناً وعدالةً}.
التحديات والمعوقات:
فيما يلي نستعرض {بعض العوامل، وأوجه القصور، والأخطاء، والأسباب، والتحديات} التي أفشلت الثورة في تحقيق أهدافها بشكل كامل:
1) انشغل نبلاء الثورة بمواجهة العدوان، فتَسيَّد المشهد أسوأ الرجال أصحاب شريعة {قد اسمه جاء} لفترة مؤقتة، فأثخنوا الجِراح ومارسوا البطش والتنكيل، وسفكوا دماء الأبرياء، وذبحوا ظلماً وعدواناً أعلام اليمن، علماء، ورجال دولة، وفكر، وأخلاق، وتُقى، منهم {نائب الإمام في تعز حمود الوشلي، والوجيه، والويسي، ونائب الإمام في الحديدة وقاسم الثور، وغيرهم}، رغم أن البعض من أولئك الضحايا أعلن تأييده للثورة وأبدى استعداده للإسهام بعِلمه وخبرته في بناء الدولة الجديدة، لكن أبى أصحاب شريعة (قد اسمه جاء) إلا التنكيل بالأتقياء وكان الدفع بالضحايا إلى البئر (الجُب) موتى وأحياء لتكون شدة المعاناة، وقسوة المصير، وساد المشهد شريعة {قد اسمه جاء}.. وقد أنكر واستنكر كل ذلك بشدة الثلاثي العظيم {الإرياني والزبيري والنعمان} ولكن للأسف لا صوت يعلو فوق صوت أولئك النفر حينها..
2) بذلك وغير ذلك تم تقديم الثورة بأنها مشروع حقد وبغض وأنها ضد فئة معينة وطيف معين فتقزَّم وتوحَّش فعل الثورة وتحوَّلت إلى مجموعة أحقاد وقضاء أغراض على يد أسوأ الرجال وأشد أعلام البهتان، فأضروا وابتعدوا عن أهداف الثورة وفِعل العظماء، وكان عظيم الخسران هو استشهاد قائدي الثورة محمد مطهر زيد، وعلي عبدالمغني، فانحرف المسار، وسار في بحور الظلام، وألَّـبَت ضدها القبائل، أما البيضاني الصبياني فقد ألبسها ثوب المذهبية والمناطقية!!
3) من العجائب:
روى الكاتب حسن حمود الدولة، أن اللواء المتوكل في جلسة في منزل درهم أبو لحوم وفي وجود السلال، قال:
إن البيضاني كتب دستور الدولة الجديدة، ونص في مادته الأولى أن السلال رئيس والبيضاني نائب، وأُذيع ذلك الدستور عبر الإذاعة، وقد بلغ الخبر الزعيم ناصر الذي غضب لمثل هذا السفه والغباء، وأنَّب السلال والبيضاني {كارثة دستورية} !!
4) رغم الدعم المصري العظيم الذي كان له دور كبير في حماية الثورة، لكن طيف صلاح نصر وسطوة المخابرات انتهكت الحرمات، وعبثت بالناس، وصنعت البؤس لأبناء الناس، وسحلت وسجنت وعذبت، ونهبت وأساءت لدرجة إعدام بعض أعلام وقيادات الثورة مثل النبيل البطل محمد الرعيني..
5) سيل جرار من الذهب والريال السعودي، سال له اللعاب، وسلبت من الناس الألباب، وحضر ونشط تجار الحروب، وحشود عُظمى من المؤامرات، وحضرت المخابرات، عبدالرحمن كندي، وإسرائيل وإيران، وكان النزال، وتحولت اليمن إلى ساحة مواجهة لصراع الشرق الاشتراكي والغرب الرأسمالي {السعودية تمثّل الغرب، ومصر تمثّل الشرق، ونحن وبلادنا وقود تلك الحرب}؛ طغت الأجندة الخارجية وغابت الأجندة الوطنية، حينها برز إلى الساحة اصطفاف وطني واسع من كل أطياف الشعب اليمني سُمّي بـ{المنشقين}، حمل على عاتقه الأجندة الوطنية الصرفة وكان له رؤية مدروسة شاملة معالمها وطنية إسلامية إنسانية تهدف إلى انتشال وإنقاذ الوطن من أتون الحروب وويلات الكروب، والإفلات من مخالب التبعية والموت من أجل مصالح الخارج، وتشكيل دولة مؤسسات دستورية وطنية حديثة ديمقراطية تهدف إلى جعل اليمن وطن استقرار واستقلال وحريات وتنمية وحداثة يسير في ركْب العصر والمعاصرة وينتظم مع محيطه الإقليمي، والعالمي، والمجتمع الإنساني في ظل ضوابط المصلحة المشترَكة وأولوية مصلحة الوطن، ذلك الاصطفاف سُمّي لاحقاً بـ{اتحاد القوى الشعبية}..
–المصدر فيما يخص رؤية ومشروع المنشقين: {معايشة، وسماع، واستنباط مِني} كنتُ حينها في الابتدائية– ليس لديَّ وثائق أو نص أرجع إليه، ولكن ما يشبه اليقين أن الأمر كذلك..
|