الميثاق نت -

الإثنين, 01-سبتمبر-2025
أحمد الشاوش -
كُنا مرتاحين، سامرين، ساهرين، آكلين، شاربين، هاجعين.. مش داريين أين احنا.. عايشين في كوكب زحل أو المريخ، ولا داريين لمن الضريبة..
كُنا نرقد مثل الدجاج بدري، نبسر النشرة والحلقة والتفاصيل بين الشوطين وما أحد يقول لنا أين وليش ولموه وكم وإلى أين وما أنتو عليه..
مثل الديك البلدي كل واحد يقوّم الثاني للصلاة واستشراف يوم جديد.. نصلي ونصوم ونتصدق ونقرأ قرآن ونصلي على النبي وآله وقلوبنا مثل الوردة..
نصلي ظهر وعصر جماعة.. ومغرب وعشاء وفجر جماعة، حتى صلاة الجمعة نحضر إلى الجامع الكبير بصنعاء أو قبة المهدي أو قبة المتوكل أو باب النهرين وغيرها من المساجد قبل الصلاة بساعة للوضوء وقراءة القرآن والذكر، وكلنا إيمان..
نحس ونشعر ونطعم وشم كل واحد مننا صلاة من الخطاب الديني المتزن والوسطية الذي يُدخِل في القلوب السكينة والطمأنينة..
كانت خُطب الجمعة تدعو إلى الاصطفاف، وتشدّد على توحيد الصف، وتدعو إلى التسامح والتعايش والصدق والأمانة والتكافل والأخوة وزيارة الأرحام، وقِيَم النزاهة والشرف والكرامة، ونبذ الفتن والدسائس والمؤامرات والأحقاد والضغينة والكذب والاحتيال والاحتكار في ظل الخطاب الديني الجامع والنابع من القلب إلى القلب قبل أن تتحول المساجد والمنابر إلى مِخَضَّرِية، وكل واحد يشكّك ويحرّض ويلعن الآخر !!؟..
اليوم تطعفرنا مثل الجن وكما يقول المثل الصيني (زيادة الوضوء واللعب بالماء والنار مش تمام)، "نيخة"، أو كما يُقال في المثل اليمني:
"زيادة الطهارة تخرّج...."؛ أصوات أرض أرض وأرض جو، لأن رسالة المسجد الصادقة والهادفة والأمينة والرصينة مثل المسك، ليست كرائحة الثوم المنفّرة أو البارود المهيّجة..
اليوم عَجَنت النُخب والأحزاب والجماعات كل شيء على طريقة الشيف اليمني "عصيد في كوز" ، وما زِد درينا ما نوع الوصفة والأكلة والطباخ، وأين الحقيقة من الباطل والصح من الخطأ، والعقل من الجنون، وأين السماء من القاع..
أصحاب معاوية معاهم رؤية وتفسير، وأصحاب علي معاهم رؤية وتفسير، وأصحاب القاعدة وداعش والنصرة وبيت المقدس وحسم وبوكو حرام طلع معاهم مجموع التفاسير، وكأننا في بوفية الذكريات في شارع جمال بصنعاء المشهورة بالعصير المخموس مع طعم ولون "الفيمتو"، أو عصيد العزعزي مع الكراث..!!
كل واحد يشتي يقنعك بالصميل ويفتح رأس المواطن الغلبان والشابع حياة، يعبّيه غساول فكرية وخلطة معيّنة؛ وكل جماعة تشتي تخلط رأس المواطن بالخلاط، والبعض مصمّم على أن يسكب من "كتلي المذهب" مع الخثلة، والبعض الآخر يصب من حنفي المناطقية الذي يوافق هواه!!
طَـيّب.. المواطن ما يتحملش يا عزيزي المُخرج والمُعلّم.. طَـيّب لحظة اسمع يا سيدي وعيني يقول لك.. ما أفعل لك راجع الله.. طَـيّب يا أخي الله مش مكتب استعلامات ولا يحتاج إلى وسطاء وموظفين ومترجمين وخُشُب مُسنَّدة وغِلاظ شِداد.. يقول لك بَـطّل شيطنة!!
تدخل الماركسية وتغوص في الاشتراكية وتَسبَح في الناصرية وتهرول إلى البعث وتقفز إلى القومية وتتشلفط بالتقدمية وتتحدث عن الوطنية وتتخندق للهوية وفي النهاية نغرق في سيل من الهويات والنظريات العجيبة والغريبة ونصبح أسرى لأيديولوجيا الإسلام السياسي، وبعدها أنا ومن بعدي الطوفان.. "ويا بَها ويا عليها".. حقنا والله ما تفلت السلطة من بين أيدينا، وكل فصيل وجماعة ملقّم لها قِشْرة، أو قاب قوسين أو أدنى من الانفجار والانتحار في عصر التحوُّلات والمصالح والبخشيش.. وربنا يستر على عباده!!
والحقيقة أن الأيام والشهور والسنين والعقود أثبتت أن الأحزاب العربية وقبلها بمراحل الأحزاب والجماعات اليمنية معتَّقة وكل واحد يمارس التوريث والديكتاتورية والاستبداد بطريقته، كما أنها معاول هدم أكثر من كونها أياديَ للتنمية والبناء والإعمار، وما أن تصل إلى السلطة عبر بلدوزر الثورة أو جرافة الانقلاب بشقيه الأبيض أو الأحمر حتى تبدأ تمارس الإقصاء والتهميش والتهديد والوعيد واغتيالات الـنُّـخب السياسية والأحزاب الأخرى وتُغرِق مؤسسات الدولة بقياداتها وكوادرها وعناصرها المؤهلة وغير المؤهلة عملاً بثقافة الولاء والتبعية والمناطقية والأسرية، بدلاً من أن تحترم نفسها وكلمتها ومبادئها وحرية الرأي والتعبير والامتثال لصناديق الاقتراع والإيمان بالآخر ومشاركته في الحكم وتُقدر آراء المنافسين من حكومة الظل ومبادئهم وأهدافهم وتطلعاتهم وتقبل انتقاداتهم بصدر رحب، كما يتنافس المتنافسون في أوروبا وأمريكا والعالم بعيداً عن التضليل والتزوير وشراء الذمم والتبعية..
والمشهد الرهيب أنه في ظل سياسة ومطامع استئثار كل طرف بالسلطة وصناعة الأزمات ودوامة الصراع السياسي وتغذية الصراع المناطقي وتلغيم المذاهب السياسية والدينية وتعبئة وتهييج الأحزاب والجماعات والحركات والشارع اليمني بالحقد والفجور والكراهية وتدمير القِيَم والأخلاق والأعراف والتقاليد بطريقة ممنهَجة وبتمويل داخلي وخارجي يجعل اليمن على فوهة بركان من المتوقع أن تتقاذف حممه إلى كل الجغرافيا اليمنية، وأن تمس كل من شارك في إشعال أعواد كبريت الوطن.. وكما يقول المثل اليمني "ما تحرق النار إلا رجل واطيها"، لا سيما وأن كل قوة سياسية مشاركة في نفخ كير اليمن المحترق بنسب متفاوتة..
أخيراً.. المشهد اليمني اليوم أصبح عجيباً وغريباً ومرعباً؛ ومستقبل اليمن اليوم ضبابي وغامض وفي مهب الريح في ظل تناسل وتدجين وأدلجة القوى السياسية والدينية المتصارعة واللعبة الإقليمية والدولية الخطيرة التي طعفرت بجميع القوى السياسية وعصفت بالشعب وزلزلت اليمن السعيد وحوَّلته إلى كانتونات ومحميات ومعسكرات ودُشَم وبراميل وقُطاع طرق وملائكة وشياطين!!
والغريب أن كل واحد يدَّعي أنه ممثّل الشعب اليمني والوطن والسيادة والثورة والثروة، رغم أنه لم يقدّم للشعب أية حلول لانتشاله من الفقر والجوع والمرض، أو أي خدمات وأبسط المشاريع لبقاء المواطن الغلبان على قيد الحياة.. والنهاية جبابرة اليمن وأباطرتها ضيَّعونا في سوق المزاد الدولي.. وما زِدْ درينا مَنْ المنتصر ومَنْ المهزوم.. وأين السماء من القاع؟!!
تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 03-نوفمبر-2026 الساعة: 07:51 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-67831.htm