الميثاق نت -

الإثنين, 01-سبتمبر-2025
مبارك حزام العسالي -
في زمنٍ تتعدد فيه الجبهات وتتقاطع فيه المشاريع، يصبح الصوت الوطني الشجاع -حتى وإن كان ناقدًا- أكثر ما يُخيف العدو ويُربك الصفوف المهزوزة في الخارج، لكنه -للأسف- قد يتحول أحيانًا إلى هدفٍ لنيران صديقة تُخطئ البوصلة وتغذّي الفرقة بدل أن تعزز الشراكة..
ولذلك، من واجبنا أن نُعيد تصويب النقاش، وننزع فتائل التشويه والتخوين، ونُرسخ ثقافة سياسية أكثر نضجاً وتماسُكاً..
الجميع يدرك كيف يسعى الإعلام الموجّه من قِبَل أعداء اليمن والأمة إلى استغلال أي تصريح أو موقف داخلي، مهما كان في سياقه الوطني أو التصحيحي، ليحوّله إلى مادة إعلامية دسمة تستهدف تَـماسُك الجبهة الداخلية وتشوه صورة قياداتها؛ وعندما يُضخّمون الخلافات الداخلية، فإن هدفهم ليس البحث عن الحقيقة بل ضرب وحدة الصف، وبث الشك في قدرة القوى الوطنية على إدارة البلاد رغم العدوان والحصار والتحديات..
لكنّ الأخطر من أبواق الخارج هو ما يأتي من الداخل، عندما تتحول الردود على أي موقف صريح إلى حملات تخوين وشتائم تستهدف رموزًا وطنية ثابتة، لمجرد أنهم عبّروا عن آراء صريحة من موقع الشراكة لا من موقع الخصومة.. هذا المسار لا يخدم سوى الأعداء، ويحوّل مساحات التصحيح المطلوبة إلى حلبة للمزايدات والانفعالات..

الفرق بين الخيانة والنقد البـنَّاء
النقد لا يعني خصومة، والصراحة لا تعني عمالة، والتصحيح لا يعني تفكيكًا..
يجب أن نُفرّق بين من يتحدث من منطلق المسئولية الوطنية، وبين من يهاجم لهدم الجبهة من الداخل..
ولعلنا نستحضر هنا حكمة الإمام علي عليه السلام:
"مَنْ نصحك في السر فقد صانك، ومَنْ نصحك في العلن فقد فضحك"..
لكننا في زمن مواجهة وعدوان، فإن النصح العلني قد يكون ضرورة إذا تحوّل الصمت إلى خطر وجودي..

دروسٌ من التاريخ
التاريخ السياسي العربي والإسلامي زاخر بالأمثلة التي تُبيّن أن رفض النقد وملاحقة الأصوات الوطنية بالتخوين، غالبًا ما أدى إلى الانهيار من الداخل قبل أن يطرق العدو الأبواب. وحين سُحقت الأصوات الناقدة في أكثر من تجربة عربية، تحولت الجبهة إلى أداة صَـمَّاء تُصفّق ولا تُفكّر، حتى انفجرت الدولة من داخلها..

شراكة صنعاء.. نموذجٌ يجب حمايته
إن ما يُمـيّز التجربة الوطنية في صنعاء أنها لم تُبنَ على الإقصاء أو الانفراد بالقرار، بل على شراكة وطنية جامعة تضم طيفًا واسعًا من القوى والمكونات؛ وهذا التنوع لا يجب أن يُختزل في خطاب واحد أو رؤية جامدة، بل يجب أن يكون مصدر قوة إذا ما حُسن التعامل معه..
من مصلحة العدو أن يرى هذه المكونات تتصارع وتُخوّن بعضها، بدل أن تتكامل وتتعاون في مسار واحد..

نحو ميثاق وطني لإدارة النقد الداخلي
لا بد من ميثاق يُرسّخ قواعد العمل داخل الجبهة الوطنية، ويؤكد على:
▪︎ حماية رموز الشراكة الوطنية من حملات التشويه.
▪︎ احترام النقد البنَّاء بوصفه أداة تطوير لا وسيلة تفكيك.
▪︎ عدم الانجرار إلى ردود متشنجة على أي موقف صريح.
▪︎ استيعاب الفوارق الفكرية والسياسية داخل الجبهة باعتبارها إثراءً لا تهديدًا..
ختاماً.. الحفاظ على الجبهة الداخلية لا يكون بتكميم الأفواه، بل بتوسيع مساحة النقد الصادق، وتعزيز الثقة المتبادلة بين الشركاء السياسيين، وحماية الرموز الوطنية من محاكمات الشوارع الإعلامية..
في هذا التوقيت الحساس نحتاج إلى الحريصين لا المزايدين، وإلى صوت العقلاء لا الغاضبين، وإلى الحكمة لا الصمت المُدمّر..
الجبهة الوطنية التي تقود المواجهة اليوم تمثل أمل اليمنيين، بل وسائر العرب والمسلمين، في كسر الهيمنة الأمريكية والتصدي للكيان الصهيوني وأدواته..
النصح الصادق والعلني في مثل هذه اللحظات هو واجب أخلاقي وديني وسياسي، وهو شهادة للحق أمام الله والشعب والتاريخ؛ فالوطن لا يحتمل مزيدًا من الكدمات.. والصمت الطويل قد يكون أشد خطرًا من إعلان الحقيقة الموجعة.
تمت طباعة الخبر في: الأربعاء, 04-نوفمبر-2026 الساعة: 07:35 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-67823.htm