د. عبدالوهاب الروحاني - محاولة الاغتيال والإنقاذ
ظلت علاقتي بالدكتور مكي (رحمه الله) بين ودودة وحذرة، لكني لم أنسَ ما قاله الرئيس عن أن "مكي يشك في أرجله"، وهو ما تذكرته وأفزعني حين عملت على إنقاذه من الموت بعد محاولة الاغتيال، التي تعرَّض لها في منتصف 1994م..
تلك القصة، بدأت عند الواحدة والنصف من ظهر أحد أيام النصف الثاني من عام 1994م، حينما كنت وبعض صحبي أستقل سيارتي بجوار اللجنة الدائمة في طريق عودتي من جلسة اعتيادية بمجلس النواب إلى منزلي بالروضة، سمعنا لعلعة رصاص من رشاشة لحوالي دقيقة أو أقل، فعرجت على بوابة اللجنة الدائمة للسؤال عما الذي يجري؟!!، فكان الحدث تعرُّض الدكتور مكي لمحاولة اغتيال بالقرب من وزارة الإدارة المحلية الكائنة في ذات الحي..
شدَّني فضولي لمعرفة حقيقة الأمر، فتوجهت من فوري إلى موقع الحدث، كان الخوف مسيطراً على الجو هناك، وكانت سيارة الدكتور حسن قد اندفعت بفعل زخات الرصاص إلى خط السير المواجه..
كانت الصورة دموية، مخيفة ومرعبة.. السائق يبدو قد فارق الحياة.. أمّا الحارس في المقعد المجاور فقد كان هو الآخر غارقاً في دمه، بينما الدكتور حسن ينزف بشدة من كتفه اليمنى..
تجمع بعض السكان والمارة في ذهول وحذَر، ولم يكن أحد ليجرؤ من الاقتراب من السيارة خوفاً من أن يُصاب بأذى، ولم يكن بد من إنقاذه، فطلبت من ثلاثة من الإخوان برفقتي المساعدة، إذ لو تُرك لفترة أطول كان يمكن أن يفقد حياته، فالنزيف كان يتدفق من كتفه كحنفية ماء اشتدّ عليها الضغط، تم حمله إلى سيارتي، وكان في كامل وعيه، ولكن مصفر الوجه وفي حالة انهيار.. ظل ينزف بشدة حتى أغرق دمه كرسي السيارة، رغم تضميده بـ"صماطة" حافظ ابن جدي إسماعيل – رعاه الله..
بعد تهنئته بالسلامة، وهو الناجي الوحيد من الحادث، سألته عن الذي جرى، ومن فعل ذلك؟!، وكانت المفاجأة الصادمة، هي رده على سؤالي بسؤال، حينما قال:
• يعني أنت ما تعرفش يا عبدالوهاب من حاول قتلني؟!..
قالها بلهجة أوحت لي أنني على صِلة، بل وكأني طرف مباشر فيما جرى له.. فقلت وأنا في حالة غضب منه وإشفاق عليه في آن:
- أيش عرَّفني يا دكتور، أنا الآن أعمل على إنقاذك ..!!
تساءلتُ بحرقة كبيرة، كيف قادته ظنونه إلى اتهامي بالشراكة في عمل مسلح ضده، وأنا مَنْ سلاحه الكلمة وعِدَّته الرأي والقلم؟!!
كنت مندهشاً، ولم أكد أصدق، فأنا أُكِنُّ له التقدير والاحترام، الأمر الذي دفعني للمخاطرة في لحظة متوترة كتلك، لأعمل على إنقاذه.. أصعقني قوله وأصابني بذهول كبير من حيث لا أدرى، وتذكرت "الشك" وقول الرئيس، ثم نظرت إلى الحال التي هو فيها، وقلت في نفسي وأنا أكتم غضبي الشديد: "إنه الفضولٌ، أشعرني بواجب إنساني وأخلاقي وإلا لتركته لقدره"..
والمهم أوصلته مع رفاقي وهو ينزف دماً إلى المستشفى العسكري، وغادرت المكان مباشرة، كانت سعادتي بالغة بما فعلته تجاه الرجل، غير أن التساؤلات ظلت تعصف بي..
الغريب أن الدكتور حسن، وهو النائب الأول لرئيس الوزراء أدلى مساءً بتصريح لتلفزيون اليمن، شكر فيه الرئيس والمستشفى، لكنه لم يشر ولو بكلمة واحدة لمن أنقذه من موت محقق، ثم أنه لم يتذكر حتى نزيفه الذي سال على كرسي سيارتي، فترك فيَّ أثراً من ألم، ما اضطرني إلى التخلص منها، في محاولة لنسيان الوجع الذي ألمَّ بي..
أسوأ موقف قابلته:
لم يتوقف الأمر هنا، فقد تلقيت حينها اتصالات تهديد ووعيد من بعض أصهاره وأقربائه، الذين أخطأوا الطريق وهم يعرفونها جيداً، وعلى أي حال لم أُلقِ لهم بالاً، لكنه كان أمراً مخجلاً ومضحكاً في آن، ولربما كان ذلك أسوأ موقف قابلته في حياتي، ولن أقول إنه كان مِصداقاً للمثل اليمني القائل "أترك فعل الخير ما ترى شر"، وإنما كان رد الحسنة بالسيئة، ولم أشعر بندم على ما فعلت..
لاحقاً، وبعد ملام وصله من بعض الأصدقاء، اعترف الدكتور حسن بأنه أخطأ في حقي؛ مرة أثناء مقيل في منزل اللواء محمد الخاوي (رحمه الله) وهو محافظ للحديدة حينما قال: "أنا مدين للولد عبدالوهاب بحياتي، فهو من أنقذني من الموت"، وأخرى ونحن برفقة الرئيس لحضور المؤتمر الإسلامي في المغرب بعد حرب صيف 1994م، وفي كل الحالات قد أرحت بالاً، وقمت بواجب حفظته لنفسي.. علاوةً على أني قمت بمهمة أخلاقية تجاه رجل لم يكن يستحق إلاً الخير والوفاء، قدر وفائه لوطنه..
كانت محاولة الاغتيال -كما فهمتها- في إطار جسّ النبض بين القوى، التي كانت تتهيأ للحرب، وكانت - كما سمعت، ولم أكن شاهداً عليها - إثر مشادة كلامية نشبت بينه وبين الشيخ ناجي بن عبدالعزيز الشايف في اجتماع للجنة العامة للمؤتمر في مقر اللجنة الدائمة برئاسة الرئيس صالح، وطرح فيه "خيار الحرب الاستباقية على الانفصاليين"؛ كان الدكتور مكي معارضاً للحرب بشدة.. وكان رأيه لا يخلو من مزحة بمغزى، الأمر الذي توتَّر معه الجو، فتُبُودِلت الاتهامات على خلفية تبايُن المواقف المؤيّدة للحرب والمناهِضة لها، وجرى التذكير بمواقف تأريخية منها قول الشيخ الشايف للدكتور مكي: "عادك شيوعي لا أمس"، فرد الدكتور مكي بقوله: "وأنت عادك ملكي لا أمس"، واحتد النقاش واشتدت الأعصاب، فانفض الاجتماع..
وبينما كان الدكتور مكي مغادراً بعد انتهاء الاجتماع، لحق به طقم من حراسة الشيخ ناجي بن عبدالعزيز الشايف، فكان الحادث المؤسف.. وبالمناسبة كنت مساء ذلك اليوم قد حاولت الاتصال بالرئيس، ثم تواصلت بالشيخ ناجي بن عبدالعزيز الشايف، ولي معه صداقة ومودة (أطال الله بعمره).. قلت له "أنقذتك يا شيخ ناجي من موقف كبير بإنقاذ الدكتور مكي"، فضحك ورد بلطف على قساوة قولي "والله ما قصرت يا عبدالوهاب.. المجانين تسرَّعوا وعملوا لنا مشكلة، ولا بد من معاقبتهم".. وتمت المصالحة في القضية بالتحكيم القبلي، والهَجَر برتل كبير من الجِمال، وعفا الله عما سلف..
حاول البعض إثارة اللغط السياسي حول موضوع التحكيم و"الهَجَر" ثم المصالحة، كقول بعضهم "اليوم ذُبحت الدولة"، بينما كانوا ممن اقنعوا الدكتور مكي بقبول التحكيم و"الهَجَر"
ولكنها السياسة.
عاش مكي ومات على حلم بناء الدولة المدنية الحديثة، ولم يكن على وئام مع القبيلة وتدخلاتها في السلطة، إذ ظل وفيا لقيم الثورة والجمهورية في كل مراحل حياته،
|