د. ناصر سعيد الدحياني - من المؤسف أن نرى ميزان الضمير الأكاديمي يميل حيث تتواجد الكاميرا والمحاسبة، لا حيث يتطلبه الواجب الأخلاقي والمهنة التي تقوم على الأمانة والرسالة، والضمير..
فنجد في الجامعات والكليات الخاصة، يعمل كثير من الأكاديميين بكل حيوية، وقوة، ونشاط، وجدّ واجتهاد، وتراهم يحضرون في الوقت المحدد، ونجدهم يلتزمون بالتحضير، ويُراعون الأنظمة، ويحرصون على الدقة والانضباط، خوفاً من خصم الراتب أو خوفاً من التصوير أو تقارير التقييم التي قد تهدد مصدر رزقهم، وعدم استمرارهم بهذه الجامعات والكليات الأكاديمية..
والشيء الذي استغربه، والمفارقة المحزنة والمؤلمة نجدها تظهر في الجامعات والكليات الحكومية، حيث نجد بعض أولئك الأكاديميين -أنفسهم بشحمهم، ولحمهم، ووجوههم، وأسمائهم، وعقولهم- نجدهم يتحولون إلى كائنات بشرية غائبة، عابسة الوجه، ومتذمرة، لا تلتزم بالحضور، ولا بالدوام، ولا تتحمّل مسؤولية التدريس، ولا تُقدّر معاناة طلاب يأتون من أماكن بعيدة من القرى والمدن يوماً بعد يوم، ليُفاجَأوا بأن الدكتور غائب، أو موجود بجسده دون روحه، يكلفت المحاضرات، لا يهمه من يفهم أو يستوعب.. العلم..
وسوف أضرب لكم مثالاً واقعياً: كليتنا كلية المجتمع، سنحان، نجد أن هناك أكثر من 50% من الأكاديميين المنتمين للكلية، يعملون في الجامعات، والكليات الخاصة، ونجدهم في هذه الجامعات الخاصة حاضرين قبل الوقت، ملتزمين إلى أبعد حد، ضاحكين، ومبتسمين إلى أبعد مدى، يدرّسون، ويعملون بكل ذمة، وضمير.. بينما في كليتهم الحكومية "كلية المجتمع سنحان" التي لا تطلب منهم الحضور إلا يوماً واحداً في الأسبوع، نجدهم كما ذكرت سابقاً يغيبون، ويشتكون، ويبكون، ويتذمرون وكأن التعليم في المؤسسات الحكومية ليس من مهامهم، وكأن هذه الكليات والجامعات ليست كليتهم، ومن صرفت عليهم طِيلة سنوات سابقة..
إذاً أين الخلل ياقوم؟.. أهو في النظام؟ أم في غياب الرادع؟ أم أن الضمير أصبح مرتبطاً بالراتب والمراقبة، لا بالضمير، والقِيَم، والأخلاق، والانتماء لهذه الجامعات والكليات..
نعلم أن غياب الراتب أحدث كثيراً من الخلل في الضمير، والقِيَم، والأخلاق.
ولكن ما نستغربه أن هذه الكليات والجامعات الحكومية لا تجبر، ولا تلزم الدكتور بالحضور الدائم.. ولكن تلزمه بيوم واحد في الأسبوع..
ومع ذلك يعاني الأكاديمي بالجامعات الحكومية بكل الصفات التي ذكرتها سابقاً.. ربنا يصلح الحال.. ويعيد الراتب.. لأن الراتب حياة للنفوس، والضمائر، والمؤسسات، والجامعات.. مثله مثل الماء الذي يقول فيه تعالى: (وجعلنا من الماء كل شيء حي).
|