مطهر الأشموري - كثيرون ربما لا يعرفون أن عاصمة أوكرانيا «كييف» كانت لفترة تاريخية عاصمة لروسيا القيصرية؛ فيما مُسمى أوكرانيا هو مُسمى بولندي ارتبط بسيطرة بولندا على مساحة مما تُسمى أوكرانيا لفترة..
هذا يقدّم مدى ارتباط الأمن القومي لروسيا بما باتت تُسمى أوكرانيا، فيما كون كييف تُطلق عاصمة لروسيا يقدّم الربط التاريخي أو الحق التاريخي..
كيف لنا مقارنة هذه الحقائق الواقعية والاستحقاق التاريخي مع أمريكا ترامب التي تطرح وتريد علناً السيطرة على کندا وبنما والجزيرة النرويجية الشهيرة؟!..
أوكرانيا تاريخياً وفي فترة لاحقة أصبحت جمهورية من جمهوريات الاتحاد السوفييتي، ووصل أكثر من رئيس من هذه الجمهورية إلى رئاسة الاتحاد السوفييتي، وبالتالي فإنه حتى لو سيطرت روسيا على أوكرانيا فهي استعادت حقاً تاريخياً مشهوداً في عهد القياصرة، وحقاً واقعياً وتاريخياً في عهد السوفييت غير البعيد؛ وأمريكا لاتمتلك مثل هذا المنطق ولا مثل هذه الحقائق وهي تطرح أطماعها التوسعية..
في مسألة تايوان، فالصين انتزعت مبكراً اعتراف الأمم المتحدة بواحدية الصين، ولذلك فأمريكا تؤجّج الحرب حول هذه المحورية بذريعة أنها لا تعارض حق الصين بالوحدة لكنها ترفض استعمال القوة أو توحيد الصين بالقوة، ولها أساليبها وأدواتها لمنع توحيد الصين وإنْ حتى بالديمقراطية والخيار الشعبي..
في أمور عالمية أخرى فالصين وروسيا والكثير أو الأكثرية من دول وشعوب العالم يطالبون بعالم جديد أكثر عدالةً ومتعدد الأقطاب؛ والاستعمار الأمريكي الغربي يرفض ذلك بالطبع..
ربطاً بذلك فالصين وروسيا والعالم يطالبون باحترام النظام الدولي «الأمم المتحدة» وإعادة كل صلاحياتها كما في ميثاق الأمم المتحدة، فيما أمريكا والاستعمار الأمريكي الغربي حَوَّلوا الأمم المتحدة إلى مجرد رهينة لديهم وأسسوا قواعد لعب استعمارية باتت تستعمر الأمم المتحدة ذاتها وتُحوّلها إلى مجرد أداة لأفعال وتفعيل الاستعمار قديمة وحديثة «سيان»..
الصين وروسيا يتعاملان ومعهما «بريكس» مع الأمر الواقع للمتراكم الأمريكي الذي ما زال لتفعيله فاعلية أكان في تهميش الأمم المتحدة ومصادرة صلاحياتها، أو في حتى تموضع الدولار عالمياً وأمور وقضايا أخرى كثيرة الأهمية، وهذا ما يتطلب التدرج والنفس الطويل في السير إلى عالم أكثر عدالةً ومتعدد الأقطاب..
كل ذلك لا يعني تفوُّق أمريكا فهي باتت توافق مبدئياً على التعددية القطبية، ولكنها تشترط أن تكون قطب الأقطاب أو رئيس مجلس إدارة للتعددية القطبية، وهذا دليل عجز أو ضعف أمريكي في المواجهة العالمية حتى في ظل التسليم باستمرار الفاعلية للمتراكم الأمريكي..
عجز أمريكا عن إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا في أوكرانيا هو انهزام أقرب إلى الهزيمة بما لم يعد بمقدور ترامب الحفاظ على ماء وجه أمريكا..
في المحورية العالمية الأخرى «تايوان» فأمريكا في اليوم الأول طالبت اليابان وأستراليا بتحديد موقفهما إزاء حرب مُحتمَلة إلى جانب تايوان وضد الصين..
في اليوم التالي قالت أمريكا إنها ليست ملزَمة ولا ملتزمة بالحرب مع تايوان أو من أجل تايوان، فكيف نقرأ أسئلة اليوم الأول لأستراليا واليابان وتصريح اليوم التالي «أمريكياً»، وكيف يُقرأ تضارب وتخبُّط أمريكي كهذا من يومٍ إلى آخر؟!..
أمريكا كأنما باتت تدرك أن هزيمتها ستكون أسهل وأسرع ربطاً بتايوان، وهي مترددة بين البحث عن إجابة لأسئلتها من حلفائها، وبين تردُّدها بين موقف الحرب أو اللاحرب مع الصين..
فالمتراكم الأمريكي مهما ظل له من قوة أو فاعلية هو ماضوي ينحدر ويتراجع تلقائياً حتى التلاشى، فيما الإنجاز الروسي الاستراتيجي في أوكرانيا والانتصار الصيني القادم بحتمية توحيد الصين باتا ربطاً بمتغيرات وقضايا أخرى يقدمان مستقبل العالم متعدد الأقطاب فوق ما بقي للمتراكم الأمريكي من نقاط أو محاور قوة وفوق حاجية لمظلة أمريكية بمُسمى قطب الأقطاب أو رئيس مجلس إدارة..
ربما منطقتنا بمُسماها الأمريكي «الشرق الأوسط» ما زالت أمريكا فيها هي الراجحة بخصوصية تركُّز وتركيز المتراكم بالإضافة إلى متراكم استثنائي مؤسّس لعمالة أنظمة كثيرة لبريطانيا ثم لأمريكا، ومع ذلك فأمريكا هي أقرب للفشل منه للنجاح في تنفيذ مشروعها المُسمى الشرق الأوسط الجديد، والعدوان على إيران وما مثَّله الرد الإيراني من صفعة مهينة للعدو الصهيوني ولأمريكا وضع المشروع الشرق أوسطي الأمريكي الصهيوني في واقع شلل وفشل فوق كل الحملات الإعلانية الإعلامية الضالة والمضللة وإلى درجة اختلاف علني ومُعلَن بين الثنائي «ترامب - نتنياهو»..
فنتنياهو يطالب أمريكا بأولوية حرب علی اليمن قبل إيران، فيما ترامب يرد بأن أمريكا لم تعد تريد حرباً في الوضع القائم لا على اليمن ولا على إيران، وهذا ما تم تعاطيه في الإعلام العالمي، وإيراده هو فقط لاستقراء أدق أو أعمق للمشروع الأمريكي الصهيوني الشرق أوسطي.. والأمر متروك للمتلقّي لفهمٍ فوق الحاجة حتى لعلامة استفهام..
الانتصار الإيراني على إسرائيل وأمريكا معاً هو مؤشر أقوى وأوثق لشرق أوسط مغايِر ومضاد للمشروع الأمريكي الصهيوني.. والزمن بيننا.
|