عقيل فاضل - بعد أكثر من عقدٍ من الحرب، لم يعد السؤال: من انتصر؟ فالجميع خسر، ولم يعد السؤال: من يسيطر على الأرض؟ فالأرض نفسها أنهكتها الصراعات، وإنما أصبح السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أيُّ يمنٍ تريده السعودية؟
كلما حاولت أن أطوي صفحات الماضي وأن أُحسن الظن، وأن أتفاءل بدورٍ سعودي يسهم في إخراج اليمن من محنته، أعادتني الوقائع إلى نقطة البداية، فأجد السؤال نفسه ينتظرني بلا إجابة.
ألم يكن بوسع السعودية، وهي الشقيقة الكبرى، أن تحول دون انزلاق اليمن إلى هذا المستنقع قبل أن تتحول الخلافات السياسية إلى حربٍ أحرقت الإنسان والعمران؟
وألم يكن بوسعها، وهي الطرف الأكثر تأثيراً في هذا الملف، وقائدة ما يُسمى بتحالف دعم الشرعية، أن تحسم هذا الصراع منذ سنوات، حرباً أو سلماً، بدل أن يبقى اليمن واليمنيون عالقين في دوامةٍ لا تنتهي؟
وإذا تعذر إنهاء الحرب، ألم يكن بالإمكان تحييد الإنسان اليمني عن تبعاتها؟ لماذا بقيت لقمة عيشه، وسفره، وعمله، وعلاجه رهينةً للصراع؟ وألم يكن من الممكن منح اليمنيين استثناءاتٍ مؤقتة في أنظمة العمل والإقامة لدى الشقيقة الكبرى، تخفف عنهم شيئاً من قسوة هذه السنوات؟
ثم تبرز المفارقة الأكثر غرابة:
هل ما يجري تجاه اليمن يعبر عن قرارٍ سعودي مستقل، أم أنه جزءٌ من سياساتٍ وتوازناتٍ دولية تنفذها السعودية، حتى وإن جاءت نتائجها لا على حساب اليمن وحده، بل على حساب أمن السعودية ومصالحها ومستقبل المنطقة بأسرها؟
لقد أثبتت السنوات أن هذه السياسة لم تصنع سلاماً، ولم تحقق استقراراً، ولم تبنِ حليفاً قوياً، ولم تحسم خصومةً ممتدة، ولم تترك لليمنيين حرية اتخاذ القرار وتقرير المصير؛ بل أطالت أمد الحرب، وعمّقت المأساة، وأثقلت كاهل شعبٍ يدفع الثمن كل يوم.
ومن المؤكد أن آثار هذه السياسة لم تقف عند حدود اليمن، ولن تقف؛ بل ستطال أمن السعودية ومصالحها، كما ستمتد إلى استقرار المنطقة بأسرها.
أما من لا يزال يعتقد أن السعودية تريد يمناً قوياً، مستقلاً، مزدهراً، فعليه أن يعيد قراءة الماضي، وأن يتأمل الحاضر جيداً؛ فمن لم تُقنعه شواهد الأمس ووقائع اليوم، قد تصدمه حقائق الغد.
ويبقى ما ينبغي أن يدركه الجميع: يمنُ اليوم لم يعد يمنَ الأمس.
|