عبدالسلام الدباء* - اليوم، وبعد أربعة وستين عاماً من قيام ثورة 26 سبتمبر اليمنية العظيمة، ثمة سؤال يبدو بسيطاً، لكنه موجع أكثر مما ينبغي: ماذا بقي لنا من أهداف الثورة؟.. ليس السؤال، كما في ظاهره، محاكمةً للثورة، ولكنه في جوهره قد يكون محاكمةً لنا نحن اليوم؛ فالذين أشعلوا فجر الثورة في 26 سبتمبر عام 1962م لم يكتبوا على جبال اليمن تعهداً بأن ينجزوا وحدهم كل أحلام الأجيال القادمة..
في يوم السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، لم يكن اليمن أمام مجرد تغيير سياسي، بل كان يفتح نافذة في جدار طويل من العزلة والتخلف، فقد أطاحت الثورة بالنظام الإمامي المستبد وأعلنت قيام الجمهورية، وطرحت مشروعاً يتجاوز تغيير شكل الحكم إلى بناء مجتمع جديد يقوم على الجمهورية، والحرية، والعدالة، والمساواة، والتنمية، والتعليم والثقافة، والوحدة الوطنية، والتنمية الشاملة.
وقد نصت أهدافها الثورة الستة بوضوح على التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما، وإقامة حكم جمهوري عادل، وبناء جيش وطني قوي، ورفع مستوى الشعب اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً، وإقامة مجتمع ديمقراطي تعاوني، وتحقيق الوحدة الوطنية في نطاق الوحدة العربية الشاملة، واحترام المواثيق الدولية والعمل من أجل السلام والتعايش بين الأمم.. ولهذا لم تكن هذه الأهداف مجرد عبارات تصلح للهتاف في المناسبات العامة، بل كانت مشروعاً طموحاً لمستقبل جديد لكل اليمنيين.
واليوم، وأنا أتأمل صورة الشهيد علي عبدالمغني وسط ذلك المشهد الثوري، لا أراه مجرد وجه عادي في صورة قديمة بالأبيض والأسود؛ بل أراه وجهاً شاباً خرج من زمنه الماضي إلى زمننا الحاضر، ثم ترك لنا سؤالاً ثقيلاً: ماذا فعلتم بما دفعنا حياتنا من أجله؟ لقد كان علي عبدالمغني أول قائد في الثورة، وكان أول مؤسس في تنظيم الضباط الأحرار، وأبرز من عمل في الإعداد لقيامها، ثم سقط شهيداً في سبيل نجاحها بعد أسابيع قليلة من اندلاعها، عندما كان يقود حملة عسكرية للدفاع عن الثورة والحفاظ على الجمهورية.
علينا اليوم ان نسأل انفسنا: هل اقتدينا بنضال علي عبد المغني؟ وهل حملنا أمانة الثورة من بعده؟.. قد تكون الإجابة مؤلمة، لكنني بهذه المناسبة أتذكر هنا موقفاً شخصياً حدث معي ومازال عالقاً في ذاكرتي، فقد نشرت ذات مرة أهداف الثورة في إحدى مجموعات «واتساب»، ثم جاءني رد من أحد الشباب، بنبرة لا تخلو من الاستفزاز، بقوله: «ما الذي تحقق من هذه الأهداف؟» .. توقفت أمام السؤال طويلاً ولم أغضب من صاحبه بقدر ما شعرت بالحزن؛ لأن السؤال يكشف شيئاً أخطر من مجرد الاختلاف، إنه: يكشف المسافة التي اتسعت بين بعض الأجيال الجديدة وذاكرتها الوطنية.
نعم، من حق الجيل الجديد أن يسأل: ماذا تحقق؟ وماذا أخفقنا في تحقيقه؟، بل إن السؤال النقدي ضرورة، وليس جريمة، ولكن الخطأ يكون عندما نحول الثوار إلى متهمين بأثر رجعي، وكأن علي عبدالمغني ورفاقه كانوا هم المسؤولين عن اليمن طوال العقود الستة التي أعقبت الثورة! ..
إن الثورة، في الحقيقة، ليست شيكاً مؤجلاً كتبه جيل لجيل آخر؛ ولكنها أمانة تنتقل من يد إلى يد، فإذا كان جيل سبتمبر قد دفع ثمن البداية بالدم، فإن الأجيال اللاحقة تتحمل مسؤولية حماية المعنى واستكمال الطريق نحو الغد.
ولهذا فإن الاحتفاء بالذكرى الرابعة والستين لا ينبغي أن يكون مجرد أعلام وأناشيد وصور؛ بل ينبغي أن يكون مناسبة نستعيد فيها السؤال الأول: لماذا ثار اليمنيون؟ وماذا أرادوا لليمن؟ .. لقد أرادوا وطناً تحكمه الجمهورية، ومجتمعاً أكثر عدلاً، ومواطناً متساوياً في الحقوق والواجبات، وتعليماً للجميع وتنمية شاملة وثقافة راقية، وجيشاً وطنياً يحمي البلاد، ووحدة وطنية تتجاوز الانقسامات، ودولة تحترم السلام والقانون والعلاقات الدولية، وتبني المستقبل المنشود.
إن الاحتفاء الحقيقي بسبتمبر يبدأ حين تتحول كل تلك الاهداف النبيلة والمعاني السامية من كلمات محفوظة إلى سلوك وممارسة وبناء مؤسسات، ولأجل ذلك فإن علينا أن نعلّم أبناءنا تاريخ ثورة 26 سبتمبر العظيمة، لكي لا يرثوا الخلافات، ومن أجل أن يفهموا قيمة التضحيات، ولكي يعلموا أن علينا وعليهم واجب الحفاظ على أهداف الثورة، والدفاع عن الجمهورية باعتبارهما أمانة ومسؤولية، والحفاظ على الوحدة اليمنية باعتبارها مساحة جامعة، وعهداً عالقاً في كل ذمة، وعلى السيادة باعتبارها حقاً وطنياً، وعلى التنمية والتعليم باعتبارهما طريق المستقبل الجديد.
فاليمن كانت وماتزال أكبر من كل خلافاتنا، وأقدم من كل نزاعاتنا، وأبقى من كل المشاريع العابرة، واليمن هو الوطن الذي يتسع لجميع أبنائه، إذا اتسعت صدورنا له.. ولذلك فربما تكون اليوم أبلغ طريقة للاحتفاء بالذكرى الرابعة والستين لقيام ثورة 26 سبتمبر، ليست بأن نسأل: ماذا أعطتنا هذه الثورة؟ بل أن نسأل أنفسنا نحن الذين ورثنا الثورة والجمهورية: ماذا فعلنا للحفاظ عليها؟ وماذا قدمنا لليمن؟
وفي النهاية، فإن ثورة 26 سبتمبر عام 1962م، لم تكن مجرد رقم لحدث مهم في كتاب التاريخ الوطني لليمن؛ ولكنها كانت وستبقى في حياة كل اليمنيين، ذاكرة وطن، وكرامة شعب، ومشروع دولة تحقق العدالة والمساواة، وتوفر الحياة الكريمة لكل أبناء الشعب، ولذلك ستظل هذه الثورة أمانة في أعناق كل أجيال اليمن، وعهداً أخلاقياً يقطعونه في كل زمان بأن لا تتحول تضحيات الشهداء إلى مجرد ذكرى موسمية يحتفى بها في اليوم 26 سبتمبر من كل عام.
وختاماً.. لقد رحل رجال ثورة 26 سبتمبر، لكن الأمانة التي تركوها لم ترحل، وعلينا أن لا نكتفي كل عام بإيقاد شعلة الذكرى وشموع الاحتفال، بل يجب علينا أن نبدأ بإضاءة الطريق الذي حلموا أن يسير فيه اليمن، وحتى إن تغيّرت الأزمنة، لكن قيم الحرية والعدالة والمواطَنة والوحدة والسلام لا ينبغي أن تتغير، وسيظل سبتمبر حياً ما دام في اليمني قلبٌ يؤمن بأن وطنه يستحق مستقبلاً أفضل، وعقلاً يرفض أن تتحول تضحيات الشهداء إلى صورةٍ معلقة على جدار الذاكرة.
سبتمبر مجيد للجميع، وتحيا الجمهورية اليمنية، وكل عام واليمن وكل اليمنيين، في الداخل والخارج، بخير وسلام ورخاء، تحت راية الثورة والجمهورية والوحدة اليمنية..
وبإذن الله، لن ترى الدنيا على أرض اليمن وثورته وصياً.
_____
* مستشار وزارة الشباب والرياضة
|