سلطان محمد سلام القدسي - جعلنا الله "أمة وسطاً" لا لنتفرج على العالم، بل لنشهد عليه بالحق والعدل.. الوسطية في ديننا ليست خياراً ولا ترفاً، هي أصل.. هي ميزان يضبط العبادة، فلا رهبانية تقطعك عن الحياة ولا تفريط يضيعك.. ويضبط الأكل، فلا حرمان يمرضك ولا إسراف يهلكك.. ويضبط المال، فلا بخل يميت ولا تبذير يضيع. ويضبط العلاقة مع الدنيا والآخرة فلا نترك إحداهما.. هذا هو معنى "وكان بين ذلك قواما"، وهذا هو السر الذي جعل الإسلام دين الفطرة.
منذ أن نطق النبي ﷺ بالدعوة واجه المسلمون أكبر قوتين على وجه الأرض: فارس برفاهيتها وظلمها، والروم بتعصبها وقوتها. ولم ينتصر المسلمون عليهم بالعدد ولا بالعدة، إنما انتصروا لأنهم كانوا "وسطاً" في كل شيء.. عدلٌ بلا ظلم، وقوةٌ بلا غلو، ورحمةٌ بلا ضعف.
لكن التاريخ يعلمنا درساً قاسياً: كلما ابتعدت الأمة عن هذا الميزان سقطت.. بدأت الفتنة الكبرى خلافاً سياسياً فتحولت إلى دم، فانقسمت الصفوف وظهرت بذور الفرقة. ثم جاء الغلو باسم الدين، فكفّر بعضنا بعضاً واستحل الدماء، وقال النبي ﷺ محذراً: "ستفترق أمتي على 73 فرقة كلها في النار إلا واحدة".. فسألوه من هي؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي"، أي الجماعة التي لزمت الوسط ولم تمل يميناً ولا شمالاً.
وهذا الجرح لم يندمل، بل انتقل إلينا اليوم في اليمن.. بلاد الحكمة والإيمان، التي عُرفت بالاعتدال في مذهبها الزيدي والشافعي، أصبحت ساحة تُستورد فيها مشاريع التطرف من كل جهة.. تحولت هويتنا من "يمنيين مسلمين" إلى شعارات طائفية وحزبية.. صار الجار الذي كان يصلي إلى جوارك بالأمس "عدواً" اليوم لمجرد اختلاف الاسم.. لبس البعض ثوب الدين ليبرر الصراع على السلطة، ورفع آخرون شعارات التكفير، والنتيجة واحدة: بيوت مهدمة، وأسر مشردة، ووطن ينزف.
وما يجري عندنا ليس صدفة، هو انعكاس مباشر لترك "حبل الله" والاعتصام بحبال الفرقة.. فكما أن لقمة الخبز باعتدال مع قليل من المشي تحفظ الجسد من المرض، فإن "خطوات الوسطية" هي وحدها التي تحفظ الأمة من السقوط..
العودة إذاً تبدأ من الداخل.. نربي بيوتنا على "خير الأمور أوسطها".. نتفق على الثوابت التي لا خلاف فيها: كتاب الله وسنة نبيه ومحبة آل بيته وصحابته جميعاً.. نحكم العقل قبل العاطفة، وندرك أن الدم أغلى من أي شعار، وأن الوطن لا يُبنى إلا بالوحدة.
لن نكون "شهداء على الناس" إلا إذا عدنا أولاً أمة واحدة. فالله لم يأمرنا إلا بشيء واحد: ("وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا") صديق الله العظيم..
بهذا فقط نستعيد عافيتنا، كما يستعيد الجسد عافيته بالاعتدال.
|