علي حيدر - رسّخت «سلطة صنعاء»، من خلال سيطرتها على الساحل الغربي لليمن ومضيق باب المندب، نفسها حجرَ زاوية في معادلات الردع الإقليمية، دافعةً باليمن إلى عمق الحسابات المباشرة في التقدير الاستراتيجي الإسرائيلي، بعدما كان هذا البلد منظوراً - إسرائيلياً - كـ«تهديد بعيد» - وإن متعاظم -. ولئن كانت تلك الحسابات متركّزة سابقاً على امتلاك صنعاء صواريخ ومُسيّرات قادرة على دكّ عمق الأراضي المحتلّة، فهي باتت الآن متّصلةً كذلك بتموضع جغرافي للخصوم في أحد أهمّ الممرّات البحرية عالمياً، بما يعني القدرة الفعلية على التأثير في حركة الملاحة والتجارة، وبالتالي في مُحدّدات «الأمن القومي» للعدو. وكانت اختبرت إسرائيل، خلال الحرب على قطاع غزة، قدرة اليمن على التأثير في حركة الملاحة المتجهة إلى ميناء «أم الرشراش» (إيلات)؛ إذ أدّت القيود التي فرضتها صنعاء وقتذاك إلى تراجع حادّ في نشاط الميناء وإلحاق أضرار اقتصادية وتجارية ملموسة به، فيما تبدو الظروف اليوم أكثر مؤاتاةً لـ«سلطة صنعاء»، وهو ما يثير قلق تل أبيب من تضاعف قدرة صنعاء على مواصلة الضغط في البحر الأحمر وتصعيد مستوياته.
بالنسبة إلى إسرائيل، كلّما تعزّز تموضع القوات اليمنية عند باب المندب والجزر ذات القيمة الاستراتيجية، تضاءلت فرص إضعاف هذا «الخطر» عبر الضغط العسكري أو السياسي أو الاقتصادي، وتَثبّت حضور اليمن كعمق استراتيجي ضمن محور المقاومة، وهو ما من شأنه تكثير تعقيدات البيئة التي تتحرّك فيها واشنطن وتل أبيب.
ذلك أن الضغط الموازي على مضيقَي هرمز وباب المندب، من شأنه أن يمنح إيران وحلفاءها قدرة أعلى على توزيع الضغط وإجبار الخصم على نشر موارده على رقعة جغرافية واسعة، وهو ما سينعكس مباشرةً على قدرة المناورة لدى إسرائيل، المُعتمِدة، في نهاية المطاف، على المظلّة الاستراتيجية الأميركية، وعلى قدرة واشنطن على ضبط الوضع الإقليمي - بما يحفظ لتل أبيب هامشاً واسعاً من الحركة -.
يضاف إلى ما تَقدّم، أن توسيع أيّ جبهة من جبهات محور المقاومة لمنجزاتها، من شأنه أن يترك أثره في الجبهات الأخرى، سواء عبر الإسناد المباشر أو من خلال استنزاف قدرات الخصم وتشتيتها ورفع كلفة خياراته. وفي ظلّ العلاقة الوثيقة بين «أنصار الله» و«حزب الله» وحركة «حماس»، يحضر ملفّا لبنان وغزة ضمن هذه المعادلة.
وعلى الرغم من أن هذا التأثير قد لا يكون عملياتياً أو مباشراً في الحالات كافة، إلّا أن رفع كلفة الحرب الإقليمية الشاملة من شأنه أن يؤثّر في حسابات الردع المحيطة بتلك الملفات.
ولا يعني ذلك انقلاباً نهائياً ومُطلقاً في ميزان القوى؛ إذ لا تزال إسرائيل تحتفظ بتفوّق عسكري وقدرة على المبادرة، إلّا أن خطواتها المستقبلية باتت محفوفة بقيود ومخاطر كبرى، يتوجّب أخذها في الحسبان قبل الإقدام على أيّ خطوة.
أمّا على الصعيد الداخلي اليمني، فإن سيطرة «قوات صنعاء» على المنافذ والمواقع البحرية، تمنحها إمكانات إضافية لمواجهة الحصار المفروض عليها، ومن ثمّ تعزيز استقلالية خياراتها الاقتصادية والأمنية، وتحويل الموقع الجغرافي لليمن من عنصر ضغط ضدّها، إلى مورد قوة سياسية وعسكرية واستراتيجية في يدها.
وفي الصورة الأعمّ، يمكن القول إن التطوّرات الأخيرة على الساحة اليمنية من شأنها تغيير حسابات الخصوم، وإجبارهم على إعادة النظر في كلفة استخدام القدرة العسكرية ومخاطره، التي صارت، والحال هذه، أعلى من نتائجه المحتملة. وفي حال استمرّ تثبيت هذه المعادلة، تكون صنعاء قد أضافت عنصراً جديداً إلى توازنات المنطقة، لا يمكن إغفاله في أيّ خطوة مقبلة.
مخاوف إسرائيلية من «الخذلان» الأميركي للسعودية
تتعامل إسرائيل مع سيطرة «سلطة صنعاء» على باب المندب بوصفها تهديداً أمنياً مباشراً تتجاوز تداعياته الساحة اليمنية. وتقرأ الأوساط الإسرائيلية ذلك التطور باعتباره تعزيزاً لأوراق إيران في المواجهة الإقليمية، ودليلاً على تآكل قدرة السعودية والولايات المتحدة على ردع «قوات صنعاء». وبحسب كبير مراسلي الشؤون الدولية في «القناة 15»، باراك بيتيش، «فرض الحوثيون عملياً سيطرتهم على باب المندب، بما يحمله ذلك من تداعيات على حركة السلع وشحن النفط»، في وقت تعلن فيه الولايات المتحدة، وفق قوله، أنها «ليست طرفاً في هذا الحدث». ومن جهته، رأى الخبير العسكري في «القناة 13»، أور هيلار، أن «سلسلة النجاحات الحوثية تكشف ضعفاً سعودياً وأميركياً»، وقد تمنح إيران «دفعة معنوية وورقة ضغط» في مواجهتها مع الولايات المتحدة في «هرمز». أما «يديعوت أحرونوت»، فتحدّثت عن خشية إسرائيلية من تشكّل «حصار جديد» تقوده إيران وحلفاؤها، مشيرةً إلى «خيبة أمل إسرائيلية من تآكل الردع السعودي».
وبدورها، رأت «هآرتس» أن «الحوثيين يعيدون رسم خريطة الشرق الأوسط، في وقت تنأى فيه الولايات المتحدة بنفسها عن التدخل العسكري المباشر في اليمن». وبحسب الصحيفة، يكشف رفض الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، طلباً سعودياً للمساعدة العسكرية، والاكتفاء بالدعم الاستخباراتي، «حدود قدرة الرياض على الاستغناء عن المظلّة الأميركية، رغم محاولاتها خلال السنوات الماضية تنويع تحالفاتها». وفي تحليلها للخيارات السعودية، اعتبرت «هآرتس» أن «شنّ حرب واسعة على الحوثيين قد يقود إلى مواجهة أشمل مع إيران، فيما قد يدفع الامتناع الأميركي عن التدخل مع الرياض، نحو ترتيبات أمنية إقليمية تقلّ فيها مركزية واشنطن». وفي المقابل، قدّرت «هآرتس» أن «عدم التطابق الكامل بين أهداف إيران والحوثيين قد يتيح للسعودية فصل المسار اليمني عن المواجهة الأميركية - الإيرانية، وذلك عبر التفاوض مع الحوثيين».
|